و يدل لقول الجمهور ما أخرجه البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا:"من أتى الجمعة من الرجال و النساء فليغتسل، و من لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال و النساء"قال النووي: رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد صحيح (*) .
مسألة: هل يجزئ غسل الجنابة لمن حصلت له عن غسل الجمعة؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: أن غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة و إن لم ينوه، و أن الغسل حيث وقع في الجمعة قبل الصلاة كفى، أيًا كان سببه. و هذا قول جمهور العلماء. قال ابن المنذر: حفظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة و التابعين (6) .
قال الحافظ في شرح قوله صلى الله عليه و سلم:"اغتسلوا يوم الجمعة و إن لم تكونوا جنبًا"
قال:"معناه: اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا للجنابة، و إن لم تكونوا جنبًا للجمعة"و أخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن الجمعة سواء نواه للجمعة أم لا، و في الاستدلال به علي ذلك بعد (1) .
الثاني: أنه لا يجزئ و لابد ليوم الجمعة من غسل مخصوص، و هذا قول ابن حزم و جماعة.
قال ابن حزم:"برهان ذلك قول الله تعالى (و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) . و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم:"إنما الأعمال بالنيات، و لكل امرئ ما نوى"."
فيصح يقينًا أنه مأمور بكل غسل من هذه الأغسال، فإذا قد صح ذلك، فمن الباطل أن يجزئ عمل عن عملين أو أكثر …" (2) ."
و حكى ابن حزم هذا القول عن جماعة من السلف منهم جابر بن زيد و الحسن و قتادة و إبراهيم النخعي و الحكم و طاءوس و عطاء و عمرو بن شعيب و الزهري و ميمون بن مهران.
و قد نقل الحافظ عن أبي قتادة أنه قال لابنه و قد رآه يغتسل يوم الجمعة:"إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلًا آخر للجمعة". أخرجه الطحاوي و ابن المنذر و غيرهما (3) .
القول الثالث: أنه لا يجزئ عنه إلا بالنية، أي إذا نوى الكل. قال النووي:"و أما إذا وجب عليه يوم الجمعة غسل جنابة فنوى الغسل عن الجنابة و الجمعة معًا فالمذهب صحة غسله لهما جميعًا و به قطع المصنف و الجمهور …." (**) .
و احتج أصحاب هذا القول بقوله صلى الله عليه و سلم:"إنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى".
قال النووي في شرح المهذب:".. و لو نوى الغسل للجنابة حصل بلا خلاف، و في حصول غسل الجمعة قولان: أصحهما عند المصنف في التنبيه و الأكثر ين: لا يحصل، لأن الأعمال بالنيات، و لم ينوه. و أصحهما عند البغوي حصوله، و المختار أنه لا يحصل" ( ... ) .
و حمل الحافظ كلام أبي قتادة لابنه علي ذلك، حيث قال في شرح قوله صلى الله عليه و سلم:"غسل يوم الجمعة"، قال: " … و استنبط منه أيضًا أن ليوم الجمعة غسلًا مخصصًا حتى لو وجدت صورة الغسل فيه لم يجز عن غسل الجمعة إلا بالنية، و قد أخذ بذلك أبو قتادة فقال لابنه و قد رآه يغتسل يوم الجمعة:"إن كان غسلك عن جنابة فأعد غسلًا آخر للجمعة" (4) ."
قال المنبر: لكن هناك وجه آخر يمكن أن يحمل عليه كلام أبي قتادة غير الإجزاء و عدمه، ألا و هو تحصيل فضيلة مخصوصة لمن يقصد إلى غسل الجمعة و ينويه كما جاء عند ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و غيرهم عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل علي أبي و أنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من جنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة. قال: أعد غسلًا آخر، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلي الجمعة الأخرى" (1) .
فائدة:
قال الحافظ في الفتح:"حكى ابن العربي و غيره أن بعض أصحابهم قالوا: يجزئ عن الاغتسال للجمعة التطيب، لأن المقصود النظافة."
و قال بعضهم: لا يشترط له الماء المطلق بل يجزئ بماء الورد و نحوه.
و قد عاب ابن العربي ذلك و قال: هؤلاء وقفوا مع المعنى، و أغفلوا المحافظة على التعبد بالمعين، و الجمع بين التعبد و المعنى أولى. انتهى.
و عكس ذلك قول بعض الشافعية بالتيمم (*) ، فإنه تعبد دون نظر المعنى.
أما الاكتفاء بغير الماء المطلق فمردود، لأنها عبادة لثبوت الترغيب فيها فيحتاج إلى النية، و لو كان لمحض النظافة لم تكن كذلك، و الله أعلم". أ ه (2) ."
و نقل ابن عثيمين عن شيخ الإسلام قوله:"جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها، فإنه لا يتيمم عنها، لأن التيمم إنما شرع للحدث. و معلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير، لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه () ."
منقول
ـ [أبو مريم العتيبي] ــــــــ [13 - 09 - 10, 11:22 م] ـ
بارك الله فيك أخي الكريم (فاضيل خليد) وزادك الرحمن علمًا .. نفعنا الله واياك وجميع المسلمين بما نقرأ ونسمع .. وفقكم الله.
ـ [فاضيل خليد] ــــــــ [14 - 09 - 10, 12:10 ص] ـ
جزاك الله خيرا وفقنا و إياكم إلى مايحبه ويرضاه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)