مساجدهم، ولا يكتفون بالأذان المعلن من إذاعة الحكومة يجهلون كلّ الجهل المواقيت الشرعية المبنية على الرؤية البصرية، التي يسهل على كل مكلف أن يعرفها، لا فرق في ذلك بين أمي وغيره، بعد أن يكون قد عرفها من الشرع، فالفجر عند سطوع النور الأبيض وانتشاره في الأفق، والظهر عند زوال الشمس عن وسط السماء، والعصر عند صيرورة ظل الشيء مثله، بالإضافة إلى ظل الزوال، والمغرب عند غروب الشمس وسقوطها وراء الأفق، والعشاء عند غروب الشفق الأحمر.
وإن مما لا شك فيه: أن هذه المواقيت تختلف باختلاف الأقاليم والبلاد ومواقعها في الأرض؛ من حيث خطوط الطول والعرض من جهة، ومن حيث انخفاضها وارتفاعها من جهة أخرى، الأمر الذي يوجب على المؤذنين مراعاتها والانتباه لها، فمدينة كبيرة كالقاهرة مثلًا؛ يطلع الفجر في شرقها قبل مغربها، وهكذا يقال في سائر الأوقات، بل قد تكون البلدة ليست في اتساعها كالقاهرة، كدمشق مثلًا، فمن كان في جبل قاسيون مثلًا تختلف مواقيته عمن كان في وسطها، أو في مسجدها مسجد بني أمية، أو في الغوطة منها مثلًا، ومع ذلك
فأهلها جميعًا من كان في الأعلى أو الأدنى من مناطقها يصلون ويصومون ويفطرون على أذان مسجدها! وما لنا نذهب بعيدًا؛ فقد شاهدت أنا وغيري في بعض قرى عمان؛ (الناعور) - لما ذهبنا إلى صلاة المغرب في مسجدها- الشمس لما تغرب بعد، والأذان يعلن من مكبر الصوت الذي على المنارة مذاعًا من إذاعة الدولة من بعض مناطق عمان! وتتكرر هذه المشاهد المخالفة في كثير من البلاد كما رأينا وسمعنا مثله من غيرنا؛ وقد بينت هذا في مكان آخر من التعليقات والتوجيهات. والمقصود: أن الثناء المذكور على المؤذنين في هذا الحديث؛ صاروا اليوم غير مستحقين له؛ بسبب أنهم لا يراعون الشمس و .. ولمعرفة أوقات الصلاة التي ائتمنوا عليها، ودعا لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: بالمغفرة لو قاموا بها في قوله - صلى الله عليه وسلم:"الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم! أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين" (1) .
فلعل من كان يملك أذانه من المؤذنين، ومن كان من الحكام الغيورين على أحكام الدين يهتمون بالمؤذنين وتوجيههم أحكام دينهم وأذانهم، ويمكنونهم من أداء الأمانة التي أنيطت بهم، وهم يعلمون قوله - صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد} ! *
(1) "صحيح أبي داود" (530) ، و"الإرواء" (217) .