فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على التراويح والقيام جميعًا، فيصلي مع الإمام الأول حتى ينصرف ويصلي مع الإمام الثاني حتى ينصرف؛ لأن تعدد الأئمة في مكان واحد يجعل ذلك كأن الإمامين إمام واحد، كأن الثاني ناب عن الأول في الصلاة الأخيرة، فالذي أرى في هذه المسألة أن يحافظ الإنسان على الصلاة مع الأول والثاني ليشمله قول الرسول عليه الصلاة والسلام:"من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة".
فإن قيل: المحافظة على الإمامين تستلزم أن يوتر الإنسان مرتين.
فنقول: يزول هذا المحظور بأن تنوي مع الإمام الأول إذا قام إلى الوتر أنك تريد الصلاة ركعتين، فإذا سلم من وتره قمت فأتيت بالركعة الثانية، وتجعل الوتر مع الإمام الأخير، فيشفع الإنسان مع الإمام الأول ويوتر مع الثاني لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" (2) .
أما قولهم: السنة إحدى عشرة ركعة.
فنقول: نعم، إذا صليت وحدك فالسنة أن لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، أو كنت إمامًا فالسنة أن لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، لكن إذا كنت مأمومًا تابعًا لغيرك فصل كما يصلي هذا الإمام، ولو صلى ثلاثًا وعشرين، أو ثلاثًا وثلاثين، أو تسعًا وثلاثين هذا هو الأفضل وهو الموافق للشرع؛ لأن الشرع يحث على وحدة الأمة الإسلامية واتفاقها، وعدم تنافرها واختلافها، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"يشمل هذا. ولقد تابع الصحابة رضي الله عنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في إتمام الصلاة في منى مع إنكارهم ذلك (1) ، كل هذا من أجل ائتلاف الكلمة وعدم التفرق.
[مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين]
806سئل فضيلة الشيخ: من صلى مع الإمام الأول صلاة التراويح ثم انصرف، وقال: لي قيام ليلة بنص الحديث:"من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، فإنني بدأت مع الإمام وانصرفت معه؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما قوله:"من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". فهذا صحيح ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حين طلب منه الصحابة أن ينفلهم بقية الليل، وقد قطع الصلاة لنصف الليل فقالوا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا، فقال:"إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (1) ، ولكن هل الإمامان في مسجد واحد يعتبر كل واحد منهم مستقلًا، أو أن كل واحد منهما نائب عن الثاني؟
الذي يظهر الاحتمال الثاني - أن كل واحد منهما نائب عن الثاني مكمل له، وعلى هذا فإن كان المسجد يصلي فيه إمامان فإن هذين الإمامين يعتبران بمنزلة إمام واحد، فيبقى الإنسان حتى ينصرف الإمام الثاني، لأننا نعلم أن الثانية مكملة لصلاة الأول.
وعلى هذا فالذي أنصح به إخواني أن يتابعوا الأئمة هنا في الحرم حتى ينصرفوا نهائيًا، وإن كان بعض الإخوة ينصرف إذا صلى إحدى عشرة ركعة، ويقول: إن هذا هو العدد الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن معه في أن العدد الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم واقتصر عليه هو الأفضل، ولا أحد يشك في هذا، ولكني أرى أنه لا مانع من الزيادة، لا على أساس الرغبة عن العدد الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن على أساس أن هذا من الخير الذي وسع فيه الشرع، حيث سئل صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال:"مثنى مثنى، فإذا خشيء أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى" (2) .
وإذا كان هذا الأمر مما يسوغ فيه الزيادة فإن الأولى بالإنسان أن لا يخرج عن الجماعة بل يتابع، فالصحابة - رضي الله عنهم - لما أتم عثمان - رضي الله عنه - الصلاة في منى، استرجع بعضهم لما بلغه ذلك (3) ، ومع هذا كانوا يصلون خلفه أربعًا فيزيدون ركعتين في صلاة لا تتجاوز الركعتين من أجل موافقة الجماعة، وائتلاف الكلمة، وعدم التفرق.
والموافقة شأنها عظيم جدًا، لا يذهب أحدكم مذهبًا ينفرد به عن الجماعة، ويحزب الأمة ويقول: أنت معي أو مع فلان، فهذا خطأ.
وعلى هذا فمادام الأمر سائغًا وليس فيه محظور شرعي، فإن موافقة الجماعة لا يظهر فيها ضغائن ولا أحقاد، فمادام الأمر واسعًا، والسلف الصالح روي عنهم في ذلك أولان متعددة كما قال الإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيميه - رحمهما الله - فليسعنا ما وسع السلف، وقد سبقنا من السلف من سبقنا فلا ينبغي أن نشذ، وأنا أكرر الدعاء إلى الائتلاف، وعدم الاختلاف فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولكن الإشكال الوارد وهو حقيقة إشكال إن كان هناك وتران في ليلة واحدة، فماذا يصنع المأموم؟
نقول: إذا كنت تريد أن تصلي مع الإمام الثاني التهجد، فإذا أوتر الإمام الأول، فأت بركعة لتكون مثنى مثنى، وإذا كنت لا تريد التهجد آخر الليل، فأوتر مع الإمام الأول، ثم إن قدر لك بعد ذلك أن تتهجد فاشفع الوتر مع الإمام الثاني.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)