قال: (إلا أن يكون الصوم منذورًا فإنه يصام عنه) أفادنا المؤلف أن من مات وعليه صوم نذر فإنه يصام عنه والذي يصوم عنه وليه يعني: قريبه الوارث ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- (أن امرأة أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك) وأيضًا ما جاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) ولكن المؤلف حمل هذا على صوم النذر خاصة استدلالًا بقصة هذه المرأة التي استفتت النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يختص بصوم النذر وإنما يشمل كل صوم واجب بأصل الشرع أو بالنذر لعموم الحديث (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وحمل هذا الحديث على صوم النذر غير مسلَّم. لماذا لا يسلم حمل هذا الحديث على صوم النذر؟ لأن صوم النذر بالنسبة لسائر أنواع الصوم قليل بالنسبة للصوم الواجب فكيف يحمل الصوم على شيء قليل من أفراده فقلَّ من ينذر صومًا وقلَّ من يموت وعليه صوم نذر ولكن من يموت وعليه صوم واجب هذا كثير فكيف يحمل هذا الحديث على الشيء القليل ويترك الشيء الكثير.
وأما هذه المرأة التي سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذه واقعة عين ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- من مات وعليه صوم نذر فليصم عنه وليه وإنما هذه المرأة قالت: (إن أمي ماتت وعليها صوم نذر) هي التي سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (صومي عن أمك) ولم يقيد هذا بصوم النذر وهذا هو القول الراجح في المسألة، وهو أن الصوم عن الميت لا يختص بصوم النذر وإنما يشمل كل صوم واجب هذا هو القول الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم أنه يشمل كل صوم واجب.
وبناء على ذلك نعود للمسألة السابقة التي ذكرها المؤلف قال: (وإن كان لغير عذر أطعم عنه عن كل يوم مسكين) فنقول: إن ترك صومًا بغير عذر فإنه يصام عنه, مثلًا شخص عليه خمسة أيام من رمضان مات ولم يصمها بغير عذر فيستحب لوليه أن يصوم عنه والمراد بالولي هنا: القريب الوارث لقوله -عليه الصلاة و السلام-: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) .
فيستحب لأقاربه أن يصوموا عنه ولا مانع من أن يصوم عنه أكثر من واحد يعني: لو كان الصوم الذي عليه خمسة أيام وله خمسة إخوة, قالوا: نتقاسم هذه الأيام الخمسة. لا بأس, حتى ولو صام هؤلاء الخمسة في يوم واحد لا بأس بهذا إلا ما يشترط فيه التتابع فلا بد من أن يكون من شخص واحد كأن يكون عليه مثلًا كفارة ظهار أو كفارة قتل أو كفارة الجماع في نهار رمضان وفرَّط وترك الصوم الواجب لم يجد رقبة وكان عليه صيام شهرين متتابعين لكنه فرط حتى مات فهنا لابد أن يكون هذا الصوم من شخص واحد لأنه لا يتحقق التتابع إذا كان الصوم من أكثر من واحد.
ولكن صوم القريب عن الميت هل هو واجب؟ إنسان توفي وقيل لأقاربه مثلًا, لإخوانه, لأمه, لأبيه: ينبغي أن تصوموا عن قريبكم هذا الذي مات وعليه أيام لم يصمها. نفترض أنهم ما صام أحد منهم. هل يأثمون؟
لا يأثمون
لماذا؟ ما الدليل؟
لأنه يفترض أن يكون له عذر أو ما استطاع أحد منهم أن يصوم
افترض أنه ليس لهم عذر ? وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ? [الأنعام: 164] هذا الذي فرط وتساهل حتى مات ما نلزم أقاربه أن يصوموا عنه, لكن نقول: يستحب لهم أن يصوموا عنه من باب الاستحباب أما أن نلزمهم, هذا لا يجب ? وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ?.
إذن نقول: إن هذا يستحب لوليه أن يصوم عنه من باب الاستحباب فقط ولهذا لو أن أولياء الميت رفضوا, يفترض أن إخوانه مثلًا رفضوا كأن يكون عليه مثلًا صيامُ شهر كامل فرفض الأقارب أن يصوموا عنه فلا يأثمون والصوم في حقه مستحب عن قريبه وإذا لم يتيسر أن يصام عنه فحينئذ نعدل إلى البدل عن الصيام وهو ماذا؟ الإطعام, يُطعَم عنه عن كل يوم مسكينٌ.
لو أراد أن يصوم عنه شخص من غير أقاربه كصديق له, إنسان صديق لآخر ثم توفي صديقه وهو يعلم أن عليه أيامًا فقال من باب الوفاء: أنا أريد أن أصوم عن صديقي فلان. فهل يشترط أن يكون الصوم من أقاربه أم أنه يصح أن يكون الصوم من غير أقاربه؟
يصح الصوم من غير أقاربه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)