والمعول عليه هو الرؤية ولا يشترط أن تكون الرؤية بالعين المجردة بل تقبل الرؤية عن طريق المراصد وعن طريق المكبر وعن طريق ما يسمى بالدرابيل فتقبل الرؤية بذلك وهي معتبرة شرعًا قد صدر في هذا قرار قبل نحو عشرين عامًا من المجلس القضائي الأعلى ومن الهيئة القضائية في مجلس القضاء الأعلى باعتبار قبول الرؤية عن طريق المراصد وعن طريق المكبرات والدرابيل ونحوها فإنه سواء رؤي الهلال بالعين المجردة أو رؤي الهلال عن طري المراصد فإنها رؤية معتبرة شرعًا.
وأما الحساب الفلكي فلا شك أن الحسابات الفلكية تقدمت في الوقت الحاضر تقدمًا عظيمًا ولا شك في دقتنا ولكن الشريعة أناطت الحكم بالرؤية ولم تجعل المناط في ذلك الحساب وإنما المناط الرؤية (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فنقول: حتى وإن كانت هذه الحسابات دقيقة إلا أنه لا يعتمد عليها شرعًا وإنما المعتمد عليه هو الرؤية.
ولهذا لو أن الحسابات الفلكية تدل على أنه سوف يمكن رؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين بوضوح ولكن في ذلك اليوم كان هناك سحاب أو قتر فلم يمكن الرؤية فإنه لا يعتمد على تلك الحسابات وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك ولكن هناك من قال بالاعتماد على الحساب من المتقدمين لكنهم قلة كابن سريج من الشافعية وبعض الفلكيين في الوقت الحاضر وأخذ بهذا بعض العلماء المعاصرين فيرى أنه لا يمكن أن يرى الهلال قبل ولادته وأنه يجب رد شهادة الشهود إذا رؤي الهلال قبل ولادته وقلت: إنه أخذ بهذا بعض العلماء المعاصرين ولكن هذا القول محل نظر إذ إن مصطلح ولادة الهلال ليس مصطلحًا معروفًا عند العلماء المتقدمين وإنما هو مصطلح غربي فنقول: ماذا يقصد بولادة الهلال؟
قالوا: يقصد به انفصال القمر عن الشمس، بعد الاقتران. ماذا يقصد بالاقتران هل المقصود بالاقتران أن يكون القمر والشمس على مستوى واحد؟ لو كان ذلك كذلك لكان معنى ذلك أن تكسف الشمس نهاية كل شهر ولكن ليس هذا هو المقصود، بل المقصود أن يكون القمر أو الهلال قريبًا من الشمس لكن ليس على نفس المستوى لأنه إذا كان على نفس المستوى فإنه يحصل كسوف للشمس.
ولهذا فهناك إشكالية في هذا المصطلح فلا يعول عليه لكن هناك مثلًا بعض الأشياء التي يمكن أن تكون قرينة قوية كغروب القمر فإن القمر له شروق وغروب كل يوم كشروق الشمس وغروب الشمس شروق الكواكب الزهرة مثلًا زحل لها شروق ولها غروب.
فإذا غرب القمر قبل الشمس وأتى شاهد وادعى رؤية الهلال بعد غروب الشمس مع أن الحسابات الفلكية تدل على أن القمر غرب قبل الشمس مثلًا بربع ساعة فأتى شاهد وقال: إني رأيت الهلال بعد غروب الشمس فهنا هو موضع البحث فبعض العلماء يقول: برد شهادة الشاهد في هذه الحالة ولكن هذا أيضًا محل نظر إذا كان هذا الشاهد ثقة عدلًا فكيف ترد شهادته؟
لا سيما أنه جاء في صحيح مسلم (أن الناس تراءوا الهلال على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال بعضهم: هو ابن ليلتين وقال بعضهم: هو ابن ثلاث فقال -عليه الصلاة والسلام- إن الله قد أمده لكم لتروه) والعبرة بعموم هذا اللفظ (إن الله قد أمده لكم لتروه) هذا يدل على أنه قد يحصل شيء ليس في حسابات البشر يمد الله- تعالى- هذا الهلال لكي يراه الناس حتى يهل هذا الشهر فيكون هذا أمرًا خارقًا للعادة هذا هو ظاهر الحديث- والله تعالى أعلم- (إن الله قد أمده لكم لتروه) .
ومع هذا الحديث لا يستطيع أن يعتمد على غروب القمر في مثل هذا ولذلك نقول: إن هذا الشاهد إذا كان عدلًا ثقة فإنه يؤخذ بشهادته ولكن ينبغي التشدد في قبول الشهادة في هذه الحال يعني: إذا كان القمر قد غرب قبل الشمس بربع ساعة في الحسابات الفلكية ثم أتى الشاهد وادعى رؤيته ينبغي التشدد في قبول شهادته وذلك بأن يكون إنسانًا ثقةً عدلًا عنده خبرة ومعرفة ومجربًا بمثل هذه الأمور وأيضًا يتأكد من أنه ليس هناك كواكب أو نجوم تشبه الهلال في تلك الليلة لأنه أحيانًا يلتبس هذا على الرائي فيرى كوكبًا يشبه الهلال كالزهرة مثلًا فيظن أن هذا هو الهلال وهذا الشاهد ثقة عدل وهو صادق فيما رأى يقول: أنا رأيت الهلال ولكنه ما رأى الهلال في حقيقة الأمر وإنما رأى كوكبًا أو نجمًا يشبه الهلال.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)