1 -وردت بعض الروايات الضعيفة والتي جاء فيها أن هرقل كان كافرًا، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كفره، والتي تخالف قول ابن عباس أو قول الراوي: (فكان ذلك آخر أمر هرقل) فنقول: إن كان الرجل آمن وأراد الاحتفاظ بملكه فله -يعني أمره إلى الله عز وجل- ولا نقطع فيه بكفر ولا إيمان إلا بدليل واضح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات) .
قاعدة حديثية
2 -قاعدة حديثية: الكافر إذا أسلم فحدثنا بعد إسلامه بشيء فعله أو شاهده قبل أن يسلم يقبل منه لأن العبرة في حال الأداء، أن يكون مسلمًا، ليس هناك مانع أن يسمع الحديث وهو كافر، لكن لو قص علينا القصة وهو كافر نردها عليه؛ لأننا لا نأمن أن يزيد أو ينقص أو يحرف.
كقول جبير بن مطعم رضي الله عنه: (دخلت المدينة فوافيتها -قبل أن يسلم- ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب بسورة الطور) فالإمام البخاري روى هذا الحديث في صحيحه وقال: باب القراءة في المغرب.
رغم أن جبير بن مطعم لما سمع الحديث كان كافرًا، لكن العبرة في وقت الأداء -أي: وقت ذكر الحديث- أن يكون العبد مسلمًا أدى أحد فرائض العدالة.
-فائدتين من قول هرقل: أيكم أقرب نسبًا من هذا الذي يزعم أنه نبي؟
3 -فائدتين من قول هرقل: أيكم أقرب نسبًا من هذا الذي يزعم أنه نبي؟ الفائدة الأولى: لماذا طلب أقرب النسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لأن الرجل إذا كان يربطه نسب بالنبي عليه الصلاة والسلام فإنه لن يكذب عليه، لاسيما إذا كان النسب شريفًا، بخلاف لو لم يكن من أقاربه؛ لأن الغريب يطعن في النسب، ومسألة الطعن في الأنساب كانت منتشرة في الجاهلية.
الفائدة الثانية: قوله: هذا الذي يزعم، المعروف كلمة زعموا أغلب ما تستخدم في الكذب؛ قال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن:7] ، لكن تستخدم أحيانًا في الصدق، وهذا كقول ضمام بن ثعلبة لما جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: (أتانا رسولك يزعم أنك تزعم أن الله أرسلك ) ) الحديث
قوله: (إن رسولك يزعم أنك تزعم) ولو كان ضمام بن ثعلبة يكذبه ما جاءه، فالزعم هنا محمول على الصدق، وكذلك بعض العلماء يستخدم الزعم في الصدق.
فهرقل لما قال: هذا الذي يزعم أنه نبي؟ فهذا نوع من التمويه والاستدراج لـ أبي سفيان؛ لأن أبا سفيان إذا علم أن هرقل منحاز للنبي عليه الصلاة والسلام انحيازًا كاملًا لعله يكذب، لا يصدقه، لكن إذا علم أنه يشكك في نبوته فهذا يجرئه على أن يقول كل ما عنده.
وهذا نوع من الاستدراج الذكي، فأنت عندما تتهم شخصًا فلا تباشره بالاتهام؛ لأنه يمكن أن ينكر.
4 -قال سفيان: كل ذنب جعلت فيه الكفارة فهو من أيسر الذنوب، وكل ذنب لم تجعل فيه الكفارة فهو من أعظم الذنوب؛ لذلك لم يجعل الله للكذب كفارة؛ لأنه إذا أمرك بكفارة وأديتها يسقط الذنب.
القياس الجلى
5 -القياس الجلي، أو القياس الأولوي.
القياس الأولوي صورته: أن يستدل بنفي الأقل على نفي الأكثر، كقوله تبارك وتعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء:23] إذًا هذا من باب أولى يحرم الضرب، لكن لو قال: ولا تضربهما، فكان يجوز أن تقول: أف، فهو عندما ينهاك عن الأقل فقد حرم عليك الأكثر.
-تقديم الخاص على العام يفيد الاهتمام
6 -لذا سأل هرقل عن الكذب أولا ثم سأله عن الغدر الذى هو أعم من الكذب لأن الغدر يمكن أن يتم بأشياء كثيرة غير القول، فقد يكون بالفعل، يعني: بالجوارح وهي كثيرة، فخيانة العين من الغدر، والغدر يمكن أن يكون باليد، وبالعين واللسان، لذلك كان الغدر أعم من الكذب، والكذب أخص من الغدر، فالكذب جنس من أجناس الغدر.
-الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب
7 -قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب يعني: كأنها استقرت في نفس أنسجة القلب، ويكون مثاله كمثال اللون إذا اختلط بالماء فلم يترك جزئيات الماء، فإنك عندما تأتي بالشاي وتضعه في الماء، وتتركه لمدة سنة، فإنه لا يمكن أن يتغير لون الشاي، فالإيمان إذا خالطت بشاشته القلب كان كمثل ذلك الشاي، لذلك لا يرتد الإنسان أبدًا مهما عذب وأوذي.
-لطيفة من قصة يوسف عليه السلام
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)