ولا يرد على هذا أن يُقال: إن الأناشيد يراد بها مقاصد شرعية؛ كالحث على أعمال الخير وترقيق القلوب فيُقصد بها ـ من هذا الوجه ـ القربة والتعبد؛ فهي بدعة، لا يرد هذا؛ لأن هذا التعبد إنما هو بمعناه العام لا معناه الخاص؛ كما تقدم تفصيله في الأدلة، ووجه تبديع أهل السماع بقصائدهم هو وجود حقيقة التعبد بالنية، أو بما يقارنها من أحوال تعبدية محضة؛ كالتطهر لها، أو دعوى حضور الملائكة؛ وغيرها مما مر آنفًا؛ مما لا يوجد في الأناشيد موضع البحث: من نية التعبد بها، أو قرائنه.
ولا يخلو الحال في إطلاق وصف البدعة عليها من اعتبار أحد أمرين: أحدهما: التلحين، والثاني: مقصد ترقيق القلب؛ فإن قيل: إن السبب هو التلحين فيُقال: إن المواعظ يراد بها ترقيق القلوب وقد لُحِّنت؛ كما فعله بعض العلماء في خطبهم، ولم تُعتبر بدعة. وإن كان السبب في الشعر الموزون المقفى فقد قاله الصحابة وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُقصد به إلا الحكمة، أو ترقيق القلوب.
فظهر بذلك أن مراد العلماء هو الحكم ببدعية الحداء المقترن بقصد التعبد المحض، أو وجود صورة العبادة؛ كما تقدم.
ولكن اعترى بعض النشيد فِي الوقت الحاضر مفاسد ظاهرة؛ كتقليد المطربين الفسقة والتشبه بهم فِِِي ألحانهم وطريقة أدائهم، واستعمال الآلات المحرمة بوساطة الحاسب الآلي مع مبالغة شديدة في تحسين الصوت وتطريبه، من ذلك ما هو محرم ومنه ما هو مكروه.
كما أن الإكثار من سماع القصائد والترنم بها ملهاة عن كتاب الله قراءة وسماعًا وتدبرًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لأن يمتليء جوف رجل قيحًا يَرِيَه خير من أن يمتليء شعرًا"رواه البخاري في"صحيحه" (5689) ومسلم في"صحيحه" (2257) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومعنى يريه: يفسد جوفه.
وانظر كلام الشاطبي في"الاعتصام" (2/ 96، 98، 99) في النشيد المجرد الذي لا تعبد فيه، وقد قرر في هذه المواضع نفسها ما فيه من تجاوز؛ كالمبالغة في تمطيط الصوت وتحسينه.
الحاجز بين الرجال النساء في المساجد:
حيث ذهب بعضهم إلى أنه بدعة لتعلقه بعبادة، وطار بها بعض دعاة التغريب لفتح باب الاختلاط في المدارس وغيرها، والصحيح أن هذا الحاجز معقول المعنى على التفصيل، وهو وسيلة محضة، وعلى ما حُقق هنا فلا تدخله البدعة؛ بل هو من الوسائل التي تُتخذ عد الحاجة.
فإن قيل: لماذا تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضي وانتفاء المانع؛ فالجواب: أن هذه الجملة لا ترد هنا، ولا تصح ضابطًا للبدعة لما تقدم تفصيله، وإنما نشتغل بالجواب على سبيل التبرع فنقول: لعل الحاجة لم تكن داعية إلى ذلك؛ لحرص الصحابيات على الحجاب، وحرص الصحابة على غض البصر؛ فإذا كان الناس على مثل حالهم فقد يقال: لا مانع من إزالته.
وإذا رأى المحتسبون الحاجة إلى ذلك كان صحيحًا مشروعًا.
فالحاصل في موضوع هذا البحث أن لا يقال: إن هذا الحاجز بدعة.
من فروع المضاهاة في العادات:
وضع المكوس الدائمة:
عدها الشاطبي ـ كما تقدم ـ من البدع لمضاهاتها لما ضرب الله حدوده من الزكوات فِي أنواع الأموال.
زيارة نصب الجندي المجهول:
ونصب الجندي المجهول يرمز إلى الشهداء من الجنود وغيرهم، وزيارته تكون تعظيمًا لهم، وتنويهًا بشأنهم.
وهذه الزيارة لا يعرف لها معنى يقصده العقلاء عادة؛ فالذي يقصدونه عادة في مثل هذا هو ذكرهم، والثناء عليهم، أو الدعاء لهم، أو نفع ذريتهم إكرامًا لهم.
أما وضع النصب وتخصيصه بالزيارة، والصمت عنده دقيقة ونحو ذلك؛ ففيها مضاهاة للتعبد المشروع؛ كقصد المشاعر والمساجد؛ فصارت من البدع.
الصمت حدادًا:
في بعض المجتمعات يتخذون عادة يصمت فيها المرء مدة من الزمن تكون دقيقة واحدة أو أكثر حدادًا على وفاة عظيم، وهذا قد يكون فِي المجتمعات والمحافل العامة.
وهناك طريقة أخرى بأن توقف السيارات فِي المدينة وينْزل منها أصحابها فيقفون مدة معينة: دقيقة أو دقيقتين حزنًا على هالك أو إحياء لذكرى هالكين، واختيار الصمت والمدة لا يعقل لها معنى على التفصيل؛ فقد دخل فِي العادي شائبة التعبد؛ فكان من البدع.
التزام مدة معينة للتفرغ الدعوة:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)