وإذا كان الشارع الحكيم قد نبَّه العقلاء إلى خطأ ما استحسنته عقولهم فإن ذلك دليل على أن العقل ليس مستقلًا وحده بإدراك الحُسن والقبح.
وثمَّة أ مْر آخر وهو أنَّ حَصْر إدراك الحُسْن والقُبْح في العقل وحده يفضي إلى محذور شرعي كبير، وهو أنه ليس للشرع أنْ يعترض على حُكْم العقل بتقبيح ما استحسنه أو تحسين ما استقبحه، إذ ليس ذلك إليه بل هو من اختصاص العقل وحده دون منازع، وهذا وإنْ تنصَّل منه المعتزلة وزعموا أنهم لم يقصدوه إلا أنه لازم قولهم ومقتضى كلامهم.
ثانيًا: أن السمة الثانية التي مقتضاها:"تأهيل العقل لتشريع الثواب والعقاب"هي في حد ذاتها استئصال لقاعدة شرعية قرَّ رها الحق تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وهي:"أنه لا عذاب إلا بعد إرسال الرسل"أَخْذًا من قوله سبحانه: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) (79) .
وإذا انتفى العذاب قبل البعثة انتفى الثواب كذلك، ولو كان العقل مُؤَهَّلًا لتشريع الثواب والعقاب ومستقلًا بذلك لما جعل الحق تبارك وتعالى ثبوت العقاب والثواب خاصًا بورود الشرع دونه.
بل إنَّ الحق تبارك وتعالى بيَّن لنا في كتابه الكريم أنه لو عذَّب الناس على فعل ما تقَّرر في قضايا العقول قُبْحُه لاحتجوا عليه بمؤاخذته إياهم على شيء لم يثبت قُبْحهُ شرعًا لا بإرسال رسول ولا بإنزال كتاب وإنما بمجرد دلالة العقل، ولو كان العقل حقًا مستقلًا بذلك لما صح منهم هذا الاحتجاج، وفي ذلك يقول سبحانه: (ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) (80) .
ويقول سبحانه: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) (81) .
وفي هذا دلالة قاطعة على أن الثواب والعقاب قضية شرعية طريق ثبوتها الرسول المرسل والكتاب المنزل، وليس قضية عقلية يستأثر العقل بها، فللعقل أن يدرك الحسن والقبح من غير أن يرتب على ذلك ثوابًا أو عقابًا، فليس هو رسولًا ولا كتابًا.
ثالثًا: أن السمة الثالثة وهي:"تقديم معرفة العقل على دلالة النقل"تعني جعل العقل أصلًا للشرع، وهذا يفضي إلى نسف الشرائع من أصلها، فيكون إرسال الرسل وإنزال الكتب عبثًا محضًا، إذ يمكن الاستغناء بذلك عن الرسل والكتب، وإذا كان للشرع من فائدة تُذكر والحالة هذه فإنما هي تأكيد ما استقر في قضايا العقول، فهو بذلك رديف مساند إن جاء موافقًا للعقل قُبل، وإلا فالهيمنة للعقل الذي هو أصل التشريع ولب التفريع.
وهذا بلا شك مزلة قدم خطيرة، إذ كيف يُقدَّم العقل الذي هو فكر بشري محدود بنطاق الزمان والمكان محفوف بنوازع الهوى على شرع إلهي صادر ممن أحاط علمه بالزمان والمكان من غير قصور في الإدراك أو خلل في الاستيعاب؟
ولقد أنكر الحق تبارك وتعالى ذلك أشد الإنكار حين قال: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (82) .
فمن جعل المعرفة العقلية مقدمة على الدلالة النقلية يكون بذلك متخذًا العقل مشرعًا في دين الله تعالى بما لم يأذن به سبحانه، وهذا والعياذ بالله غاية الإسفاف ونهاية الانحراف.
ومن هذا كله نخلص إلى أن المعتزلة في بداية مسيرهم مع العقل لم يريدوا به أن يكون حاكمًا على الشرع، بل أرادوا أن العقل طريق إلى العلم بالحكم الشرعي، ولكنهم بعد أن توغلوا في العقل بالغوا في تقديسه حتى جعلوه مقدمًا على الشرع وحاكمًا عليه، ومن هنا حذر الإسلام الحنيف من الغلو لأنه لا يأتي في نهاية مطافه إلا بعواقب وخيمة وأضرار جسيمة.
المبحث السادس: العقل عند الأشاعرة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: استعراض موقفهم من العقل
كان موقف الأشاعرة من العقل ناشئًا عن ردة فعل عنيفة من موقف المعتزلة منه، فحيث بالغ المعتزلة في تقديس العقل وتهويل شأنه فقد بالغ الأشاعرة في تجميد العقل وسلبه القدرة على إدراك الحسن والقبح في الأشياء التي تُلامَسُ وتُشَاهَد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)