وقال تعالى: (ما نَنسَخ من آيَةِ أَوْ نَنْسَأهَا(1) نَأتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (2) فأخبر أن فيه ناسخًا ومنسوخًا.
وقال تعالى: (فبِظُلْم من الذينَ هَادُوا حَرمنا عَلَيْهمْ طَيِّبَات أحِلَّتْ لَهُمْ) (3) ، فأخبر أنه قد حرّم عليهم ما كان حلالًا لهم. وهذا هو النسخ. ونظائر ذلك كثير.
والدلالة على جوازه عقلًا:
أن الناس في التكليف على قولين:
منهم من قال: لله تعالى أن يكلف عباده بما شاء أن يكلفهم، لمصلحة ولغير مصلحة، ولكن لا يختلف أن التكليف إنما وقع على وجه المصلحة، كما أن ما يفعل فينا إنما يفعله للمصلحة.
ومنهم من قال: حسن التكليف لما فيه من مصالحهم.
وأيهما كان فإن النسخ يجب أن يكون جائزًا، لأنه على القول الأول، النسخ بمنزلة ابتداء التكليف، وعلى القول الثاني لا يمتنع أن يختلف حال المكلف في المصلحة، فيختلف التكليف، ألا ترى أن الرجل قد يكون من مصلحته في وقت البر واللطف، وفي وقت آخر مصلحته التشديد والعنف.
ويبين صحة هذا أن الطاهر تصوم وتصلي، والحائض تمنع منها.
ولأن تأخير بيان المراد باللفظ العام من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز، كتأخير بيان التخصيص، وهو تأخير لبيان المراد باللفظ العام في
(1) هذه قراءة في الآية، وقد سبق الكلام على ذلك في أول المسألة.
(2) (106) سورة البقرة.
(3) (160) سورة النساء.