وقبول الولايات المتحدة بها، رغم تأكدها وتأكد السوفييت أن الإتهامات في مجملها باطلة، وأن أسطورة الهيمنة الأمريكية على حركة المقاومة الأفغانية يعود جزء منها إلى قضية المعونات ويعود أكثرها إلى أساليب الإبتزاز السياسى، الذى تمارسها أمريكا على منظمات
المقاومة الأفغانية.
إن قبول أمريكا بتصريحات عنيفة بهذا الشكل يفيدها عن طريقين: الأول هو تأكيد ما ترغب في ترويجه من أن المقاومة الأفغانية هى رافد للسياسة الأمريكية وصنيعة من صنائعها وجميل طوقت به أعناق الأفغان بل الشعوب الإسلامية جميعًا ضد غول الشيوعية الدولية.
والجانب الثانى أن هذا التشدد السوفيتى ضرورة لحفظ ماء وجه السياسة الجورباتشوفية الذى
أريق في كل موضع.
تواطؤ أمريكى وليس هذه هى المرة الأولى التى تزود أمريكا فيها الإتحاد السوفيتى بأورق التوت من الحقول الأفغانية الوارفة.
فإتفاق جنيف (1988) على سبيل المثال كان ورقة توت كبيرة تخفى"النكسة العسكرية"للجيش الأحمر في أفغانستان وتضمن إنسحابًا مشرفًا يبدو في ثوب أخلاقى وقانونى لائق. وقبل إنسحاب الجيش الأحمر وحتى لا يخرج كسير الخاطر زودته الولايات المتحدة بورقة توت تليق بمقامة عندما أهدت له من قبل حملة دعائية ضخمة كالتى حدثت في خوست، بدأها الإعلام الأمريكى كما هى العادة، وخلفه الإعلام الأوربى فالدولى، كما هى العادة أيضًا، ولكن على غير العادة شارك فيها الإعلام السوفيتى من صحافة إلى تلفزيون إلى إذاعة، وكأنها حرب عالمية، وتكللت المعركة بنصر سوفيتى كبير ونجاح الجيش الأحمر في كسر الحصار حول المدينة ودخولها ظافرًا في ضجيج إعلامى دولى"شرقى وغربى"لم يحدث له مثيل منذ إنتصار الحلفاء على الهتلرية في الحرب العالمية الثانية.
وحقيقة الأمر وهو ما يعرفه كل من شارك في هذه المعركة أنها كانت مؤامرة دولية لا أكثر
ولا أقل، والدفاع عن مدخل الطريق الذى تقدم منه السوفييت تولاه جلال الدين حقانى الذى
عرقلة لمدة شهر كامل في معركة مريرة في ظروف جليدية قاسية في مقابل 40.000 جندى
سوفيتى وحكومى.
وعندما إنتهت المقاومة عند مدخل الطريق على بعد 70 كيلو متر من خوست وذلك بعد أن
أصيب حقانى في ساقه وفقد كثير من رجاله وحالت ثلوج الطرق دون تلقية أى أمدادات، فتح
الطريق على مصراعية أمام القوات الروسية بدون طلقة واحدة!!.
وقد صرح بعض قادة مجموعات عند الانسحاب من نقط الحراسة الجبلية فوق الطريق بأنهم
تلقوا أوامر بالإنسحاب وترك القوافل الروسية تمر.
وإستمر الطريق مفتوحًا لمدة 22 يومًا وبعثات التلفزيون السوفيتى لا تنقطع عن زيارة
المنطقة وتغطية الحدث ميدانيًا، وعاشت موسكو في أفراح أنستها ضخامة الفشل ومرارة
الإنسحاب.
معركة خوست هذه، ومعركة جلال آباد، في العام التالى لها، أثبتت أن الأسلحة الأمريكية
على ندرتها، جعلت لأمريكا نفوذًا على مجموعات معينة داخل المقاومة الأفغانية
هذه المجموعات تستطيع في ظروف معينة أن تفرض الهزيمة أو تحدث الإنهيار،
كما حدث في معركة خوست المذكورة أو أن تفتح معركة/ورطة، مثل جلال آباد يسقط فيها
الجميع بالخطأ أو بالعمد أو بالتوريط، وتكون الهزيمة للجميع والإحباط عامًا للشعب بأكمله
يجره من تلابيبه إلى اليأس، ساحبًا أياه إلى طاولة التسليم لكى يفسح مجالا للشيوعيين من أعوان موسكو كى يحكموا ضمن إطار موسع يشمل الجميع.