فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 460

يكشف عن الحكمة البعيدة من قدره - سبحانه - يواجه المنافقين بحقيقة الموت , التي لا يعصم منها حذر ولا قعود:

(أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم. إن الله على كل شيء قدير) . .

والمسلمون الذين أصيبوا في أحد بما أصيبوا ; والذين فقدوا سبعين من شهدائهم غير الجراح والآلام التي عانوها في هذا اليوم المرير ; والذين عز عليهم أن يصيبهم ما أصابهم , وهم المسلمون , وهم يجاهدون في سبيل الله , وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله. .

المسلمون الذين أصيبوا بهذه المصيبة , كان قد سبق لهم أن أصابوا مثليها: أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش. وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة , حينما كانوا مستقيمين على أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم. وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين!

ويذكرهم الله هذا كله , وهو يرد على دهشتهم المتسائلة , فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب:

(قل: هو من عند أنفسكم) . .

أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر. وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله صلى الله عليه وسلم وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس. وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله وخطته للمعركة. . فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم , وتقولون: كيف هذا ؟ هو من عند أنفسكم , بانطباق سنة الله عليكم , حين عرضتم أنفسكم لها. فالإنسان حين يعرض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه , مسلما كان أو مشركا , ولا تنخرق محاباة له , فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة الله ابتداء!

(إن الله على كل شيء قدير) . .

ومن مقتضى قدرته أن تنفذ سنته , وأن يحكم ناموسه , وأن تمضي الأمور وفق حكمه وإرادته , وألا تتعطل سننه التي أقام عليها الكون والحياة والأحداث.

ومع هذا فقد كان قدر الله من وراء الأمر كله لحكمة يراها. وقدر الله دائما من وراء كل أمر يحدث , ومن وراء كل حركة وكل نأمة , وكل انبثاقة في هذا الكون كله: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله. . .) . .

لم يقع مصادفة ولا جزافا , ولم يقع عبثا ولا سدى. فكل حركة محسوب حسابها في تصميم هذا الكون ; ومقدر لها علتها ونتائجها ; وهي في مجموعها - ومع جريانها وفق السنن والقوانين الثابتة التي لا تنخرق ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت