فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 460

فَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَاكُلَ رَغِيفًا لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِأَكْلِ الرَّغِيفِ كُلِّهِ , وَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَاكُلَهُ حَنِثَ بِأَكْلِ بَعْضِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ: إلَى أَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ يَتَعَارَضَانِ وَيَتَدَافَعَانِ , فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ سَابِقًا , وَقَدْ وَرَدَ الْعَامُّ بَعْدَهُ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ , فَنُسِخَ الْخَاصُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ سَابِقًا وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ , ثُمَّ نُسِخَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ بَعْدَهُ. فَعُمُومُ الرَّقَبَةِ مَثَلًا يَقْتَضِي إجْزَاءَ الْكَافِرَةِ مَهْمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ , وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤْمِنَةِ يَقْتَضِي مَنْعَ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ , فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ. وَإِذَا أَمْكَنَ النَّسْخُ وَالْبَيَانُ جَمِيعًا فَلَمْ يَتَحَكَّمْ بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ دُونَ النَّسْخِ؟ وَلَمْ يُقْطَعْ بِالْحُكْمِ عَلَى الْعَامِّ بِالْخَاصِّ؟ وَلَعَلَّ الْعَامَّ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ , وَيُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ , وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي , وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا: تَقْدِيمُ الْخَاصِّ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مُمْكِنًا , وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ النَّسْخِ مُحْتَاجٌ إلَى الْحُكْمِ بِدُخُولِ الْكَافِرَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ , ثُمَّ خُرُوجُهُ عَنْهُ , فَهُوَ إثْبَاتُ وَضْعٍ , وَرَفْعٌ بِالتَّوَهُّمِ , وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ غَالِبٌ مُعْتَادٌ , بَلْ هُوَ الْأَكْثَرُ , وَالنَّسْخُ كَالنَّادِرِ , فَلَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ بِالتَّوَهُّمِ , وَيَكَادُ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سِيَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَثِيرٌ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إلَى الْحُكْمِ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ , وَمَا اشْتَغَلُوا بِطَلَبِ التَّارِيخِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ. وَقِيلَ عَلَى الشُّذُوذِ: إنَّهُ يُخَصَّصُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ , فَإِنَّ الرِّجَالَ يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ قَتْلَ غَيْرِهِمْ , فَإِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا , وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا مُنَاسَبَةٌ تَخُصُّهُ فِي مُتَعَلِّقِهِ - كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} وقوله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} - فَيَضْطَرُّ الْمُحْرِمُ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ الصَّيْدِ , فَعِنْدَ مَالِكٍ: يَاكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَتْرُكُ الصَّيْدَ ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا - وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا - إلَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالْإِحْرَامِ , وَمَفْسَدَتُهُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّهْيُ إنَّمَا هِيَ فِي الْإِحْرَامِ , وَأَمَّا مَفْسَدَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَذَلِكَ أَمْرٌ عَامٌّ , لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِخُصُوصِ الْإِحْرَامِ , وَالْمُنَاسِبُ إذَا كَانَ لِأَمْرٍ عَامٍّ - وَهُوَ كَوْنُهَا مَيْتَةً - لَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُصُوصِ الْإِحْرَامِ مُنَافَاةٌ وَلَا تَعَلُّقٌ , وَالْمُنَافِي الْأَخَصُّ أَوْلَى بِالِاجْتِنَابِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ: إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُصَلِّي ثَوْبًا يَسْتُرُهُ إلَّا حَرِيرًا أَوْ نَجِسًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي الْحَرِيرِ وَيَتْرُكَ النَّجِسَ ; لِأَنَّ مَفْسَدَةَ النَّجَاسَةِ خَاصَّةٌ بِالصَّلَاةِ , بِخِلَافِ مَفْسَدَةِ الْحَرِيرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِخُصُوصِ الصَّلَاةِ , وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا. وَهُنَاكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ أُخْرَى تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ , يُرْجَعُ إلَيْهَا فِي الْأُصُولِ وَأَبْوَابِ الْفِقْهِ.

مَنْ يُغَسَّلُ مِنْ الْمَوْتَى وَمَنْ لَا يُغَسَّلُ:

أ - تَغْسِيلُ الشَّهِيدِ: 20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلُ , لِمَا رُوِيَ {عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ} وَيَرَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ تَغْسِيلَ الشَّهِيدِ. وَإِنْ كَانَ الشَّهِيدُ جُنُبًا فَذَهَبَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت