فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 460

الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) لِأَنَّ الْمُكْرَهَ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) كَالْآلَةِ بِيَدِ الْمُكْرِهِ فِي الْإِكْرَاهِ التَّامِّ (الْمُلْجِئِ) فَيُنْسَبُ الْفِعْلُ إلَى الْمُكْرِهِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ , فَصَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ , كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ , وَلِأَنَّ إذْنَ الْمُكَلَّفِ يُسْقِطُ الدِّيَةَ وَالْقِصَاصَ مَعًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ , فَكَيْفَ إذَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ إلَى دَرَجَةِ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ؟ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُكْرَهِ , لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُبَاحُ بِالْإِذْنِ , إلَّا أَنَّهُ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْقِصَاصَ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَوْضُوعِ , وَقَدْ سَبَقَ رَايُهُمْ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا أَمَرَهُ الْمَقْتُولُ بِالْقَتْلِ.

21 -إذَا أَكْرَهَ شَخْصٌ غَيْرَهُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا لِيَقْتُلَ الْغَيْرُ نَفْسَهُ , بِأَنْ قَالَ لَهُ: اُقْتُلْ نَفْسَك وَإِلَّا قَتَلْتُك , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ , وَإِلَّا يُعَدُّ مُنْتَحِرًا وَآثِمًا , لِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ عَنْ الْمُكْرَهِ بِهِ , فَكِلَاهُمَا قَتْلٌ , فَلَأَنْ يَقْتُلَهُ الْمُكْرَهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَقْتُلَ هُوَ نَفْسَهُ. وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ الْقَتْلِ بِتَرَاجُعِ الْمُكْرَهِ , أَوْ بِتَغَيُّرِ الْحَالَةِ بِأَسْبَابٍ أُخْرَى , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَحِرَ وَيَقْتُلَ نَفْسَهُ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , لِانْتِفَاءِ كَوْنِهِ إكْرَاهًا حَقِيقَةً , لِاتِّحَادِ الْمَامُورِ بِهِ وَالْمُخَوَّفِ بِهِ , فَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الْقَتْلَ كَمَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ , لَكِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْآمِرِ نِصْفُ الدِّيَةِ , بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ شَرِيكٌ , وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الْمُكْرَهِ قَتْلَ نَفْسِهِ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ , وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ , إذَا قَتَلَ الْمُكْرِهُ نَفْسَهُ , كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ. وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَعْذِيبًا شَدِيدًا كَإِحْرَاقٍ أَوْ تَمْثِيلٍ إنْ لَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ , كَانَ إكْرَاهًا كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْبَزَّارُ , وَمَالَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ , وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ. وَفَصَّلَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: لَوْ قَالَ لَتُلْقِيَن نَفْسَك فِي النَّارِ أَوْ مِنْ رَاسِ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ بِالسَّيْفِ , فَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ الْجَبَلِ , فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُكْرِهِ , لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَهُ , لِأَنَّهُ قَتَلَ بِالْمُثْقَلِ , فَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي مَالِهِ , وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْقِصَاصُ , لِأَنَّهُ كَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ عِنْدَهُ. أَمَّا إذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ , فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. هَذَا , وَلَمْ نَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصًّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَانْظُرْ (إكْرَاهٌ) .

اشْتِرَاكُ الْمُنْتَحِرِ مَعَ غَيْرِهِ:

22 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ جَرَحَ نَفْسَهُ , ثُمَّ جَرَحَهُ غَيْرُهُ فَمَاتَ مِنْهُمَا , فَهَلْ يُعْتَبَرُ انْتِحَارًا؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُشَارِكِ لَهُ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ؟ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ الصُّوَرِ:

أ - فَلَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً , كَأَنْ أَرَادَ ضَرْبَ مَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِ بِجُرْحٍ فَأَصَابَ نَفْسَهُ , أَوْ خَاطَ جُرْحَهُ فَصَادَفَ اللَّحْمَ الْحَيَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت