لَك سَيِّئَةً فَقَتَلْته فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْئًا إذَا قَتَلَهُ. لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَامُرْهُ بِشَيْءٍ. وَالسُّكُوتُ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ. وَأَوَّلُ الْوُجُوهِ أَنْ لَا يَقْصِدَهُ بِالْقَتْلِ , وَلَا يُمَكِّنَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي الصَّفِّ , وَلَكِنَّهُ يُلْجِئُهُ إلَى مَوْضِعٍ وَيَسْتَمْسِكُ بِهِ حَتَّى يَجِيءَ غَيْرُهُ فَيَقْتُلَهُ. رُوِيَ فِي الْكِتَابِ حَدِيثًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ: فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا. فَأَمَّا إبَاحَةُ قَتْلِ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
103 -رُوِيَ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمْ يَنْدُبُونَ قَتْلَاهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ. قَالَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَوَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَدَبْنَا حَمْزَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَيْتِ , حَتَّى سَمِعْنَا نَشِيجَهُ فِي الْبَيْتِ. فَأَرْسَلَ إلَيْنَا أَنْ قَدْ أَصَبْتُمْ , أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ} . وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ حَمْزَةَ كَانَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَئِذٍ , لَكِنَّهُ كَانَ غَرِيبًا بِالْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا قَالَ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي {أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ رضي الله عنه لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ نِسَاءَ قَوْمِهِ , وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ , وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. فَجَاءَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى بَابِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْدُبُونَ حَمْزَةَ رضي الله عنه فَاسْتَانَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبُكَائِهِمْ (36 ب) حَتَّى نَامَ} . وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ جَرَى الرَّسْمُ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ يَبْدَءُونَ بِالْبُكَاءِ لِحَمْزَةَ رضي الله عنه. وَالرِّجَالُ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَقُولُونَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ. 104 - ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ بِطَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَزَادَ فِي آخِرِهِ: {فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُنَّ يَبْكِينَ. فَقَالَ: يَا وَيْحَهنَّ إنَّهُنَّ لَهَا هُنَا مُنْذُ الْيَوْمِ. فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ} . فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ: هَذِهِ رُخْصَةٌ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ , وَقَدْ انْتَسَخَتْ بِمَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ قَدْ انْتَسَخَ وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ , عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {النَّائِحَةُ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ مُسْتَمِعِيهَا عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} . وَأَمَّا الْبُكَاءُ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ لَا بَاسَ بِهِ ; لِمَا رُوِيَ {أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتنَا عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ , وَأَمَّا هَذِهِ رَحْمَةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الرُّحَمَاءِ. الْعَيْنُ تَدْمَعُ , وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ , وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبُّ} . وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ امْرَأَةً وَهِيَ تَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَهَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْهَا يَا