فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 460

أَمْرُ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ بِقَتْلِهِ:

إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِآخَرَ: اُقْتُلْنِي , أَوْ قَالَ لِلْقَائِلِ إنْ قَتَلْتنِي أَبْرَاتُك , أَوْ قَدْ وَهَبْت لَك دَمِي , فَقَتَلَهُ عَمْدًا , اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالَ:

الْأَوَّلُ: 13 - أَنَّ الْقَتْلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَا يُعْتَبَرُ انْتِحَارًا , لَكِنْ لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ , وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا زُفَرَ - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ , وَرَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ , لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَجْرِي فِي النُّفُوسِ , وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ , وَالشُّبْهَةُ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الْمَالِ , فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ , وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ دِيَةَ الْعَمْدِ. وَفَصَّلَ الْحَنَفِيَّةُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فَقَالُوا: إنْ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ فَلَا قِصَاصَ , لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَجْرِي فِي النَّفْسِ , وَسَقَطَ الْقِصَاصُ لِشُبْهَةِ الْإِذْنِ , وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ , وَإِنْ قَتَلَهُ بِمُثْقَلٍ فَلَا قِصَاصَ لَكِنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ

الثَّانِي: 14 - أَنَّ الْقَتْلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ قَتْلُ عَمْدٍ , وَلَا يَاخُذُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الِانْتِحَارِ , وَلِهَذَا يَجِبُ الْقِصَاصُ. وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَسَّنَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ , وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ زُفَرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَتْلِ لَمْ يَقْدَحْ فِي الْعِصْمَةِ , لِأَنَّ عِصْمَةَ النُّفُوسِ مِمَّا لَا تَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ بِحَالٍ , وَإِذْنُهُ لَا يُعْتَبَرُ , لِأَنَّ الْقِصَاصَ لِوَارِثِهِ لَا لَهُ , وَلِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقًّا قَبْلَ وُجُوبِهِ.

الثَّالِثُ: 15 - أَنَّ الْقَتْلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَهُ حُكْمُ الِانْتِحَارِ , فَلَا قِصَاصَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ وَلَا دِيَةَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ , وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَصَحَّحَهُ الْقُدُورِيُّ , وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. أَمَّا سُقُوطُ الْقِصَاصِ فَلِلْإِذْنِ لَهُ فِي الْقَتْلِ وَالْجِنَايَةِ , وَلِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ تُورِثُ شُبْهَةً , وَالْقِصَاصُ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ. وَأَمَّا سُقُوطُ الدِّيَةِ فَلِأَنَّ ضَمَانَ نَفْسِهِ هُوَ حَقٌّ لَهُ فَصَارَ كَإِذْنِهِ بِإِتْلَافِ مَالِهِ , كَمَا لَوْ قَالَ: اُقْتُلْ دَابَّتِي فَفَعَلَ فَلَا ضَمَانَ إجْمَاعًا , فَصَحَّ الْأَمْرُ , وَلِأَنَّ الْمُورَثَ أَسْقَطَ الدِّيَةَ أَيْضًا فَلَا تَجِبُ لِلْوَرَثَةِ. وَإِذَا كَانَ الْآمِرُ أَوْ الْآذِنُ مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فَلَا يُسْقِطُ إذْنُهُ شَيْئًا مِنْ الْقِصَاصِ وَلَا الدِّيَةِ , لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِذْنِهِمَا.

16 -لَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدِي , فَإِنْ كَانَ لِمَنْعِ السِّرَايَةِ كَمَا إذَا وَقَعَتْ فِي يَدِهِ آكِلَةٌ فَلَا بَاسَ بِقَطْعِهِ اتِّفَاقًا. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ , وَلَوْ قَطَعَ بِإِذْنِهِ فَلَمْ يَمُتْ مِنْ الْقَطْعِ فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ عَلَى الْقَاطِعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت