أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا , كُلُّهَا قَدْ خَلَصَ إلَى مَقْتَلٍ , فَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْ جِرَاحَاتِهِ كُلِّهَا , فَلَمْ يُغَسَّل. . وَفِي فُتُوحِ الشَّامِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: أَخَذْت مَاءً لِعَلِيٍّ أَسْقِي ابْنَ عَمِّي إنْ وَجَدْت بِهِ حَيَاةً , فَوَجَدْت الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ فَأَرَدْت أَنْ أَسْقِيَهُ , فَإِذَا رَجُلٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ , فَأَوْمَأَ لِي أَنْ أَسْقِيَهُ , فَذَهَبْت إلَيْهِ لِأَسْقِيَهُ , فَإِذَا آخَرُ يَنْظُرُ إلَيْهِ , فَأَوْمَأَ لِي أَنْ أَسْقِيَهُ , فَلَمْ أَصِلْ إلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا كُلُّهُمْ , وَلَمْ يُفْرَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِغُسْلٍ وَلَا صَلَاةٍ , وَقَدْ مَاتُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ.
(1633) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الشَّهِيدُ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ فَقَتَلَهُ , فَهُوَ كَالْمَقْتُولِ بِأَيْدِي الْعَدُوِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُغَسَّلُ , وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِغَيْرِ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ , أَشْبَهَ مَا لَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ. وَلَنَا , مَا رَوَى أَبُو دَاوُد , عَنْ {رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ , فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ , فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ , فَأَصَابَ نَفْسَهُ بِالسَّيْفِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ , فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ , فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ , وَصَلَّى عَلَيْهِ , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ , وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ.} وَعَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ , فَذَهَبَ يُسْفِلُ لَهُ , فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ , فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. فَلَمْ يُفْرَدْ عَنْ الشُّهَدَاءِ بِحُكْمٍ. وَلِأَنَّهُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ , فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ , وَبِهَذَا فَارَقَ , مَا لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ , فَأَمَّا إنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ , أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ , فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ , وَتَأَوَّلَ الْحَدِيثَ: {ادْفِنُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ} . فَإِذَا كَانَ بِهِ كَلْمٌ لَمْ يُغَسَّلْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الَّذِي يُوجَدُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُغَسَّلُ بِحَالٍ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ. وَلَنَا , أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغُسْلِ , فَلَا يَسْقُطُ بِالِاحْتِمَالِ , وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْغُسْلِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ مَقْرُونٌ بِمَنْ كُلِمَ , فَلَا يَجُوزُ حَذْفُ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ.
(1634) فَصْلٌ: وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْمَعْرَكَةِ , فَحُكْمُهُ فِي الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ , حُكْمُ مَنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ
; لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُغَسِّلْ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ , وَعَمَّارٌ أَوْصَى أَنْ لَا يُغَسَّلَ , وَقَالَ: ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي , فَإِنِّي مُخَاصِمٌ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ أَوْصَى أَصْحَابُ الْجَمَلِ: إنَّا مُسْتَشْهِدُونَ غَدًا , فَلَا تَنْزِعُوا عَنَّا ثَوْبًا , وَلَا تَغْسِلُوا عَنَّا دَمًا. وَلِأَنَّهُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ , أَشْبَهَ قَتِيلَ الْكُفَّارِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ , فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُغَسَّلُونَ ; لِأَنَّ أَسْمَاءَ غَسَّلَتْ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ , وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ أُخِذَ وَصُلِبَ , فَهُوَ كَالْمَقْتُولِ ظُلْمًا , وَلَيْسَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ. وَأَمَّا الْبَاغِي , فَقَالَ الْخِرَقِيِّ: مَنْ