أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ , وَقَوْلُ سَحْنُونٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يُغَسَّلُ. وَيَرَى جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الْمَوْتِ , كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَطْهُرُ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ثُمَّ تَسْتَشْهِدُ فَهِيَ كَالْجُنُبِ. وَأَمَّا قَبْلَ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَجِبُ الْغُسْلُ كَالْجُنُبِ وَالْأُخْرَى لَا يَجِبُ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مَا عَدَا أَبَا حَنِيفَةَ - إلَى أَنَّ الشَّهِيدَ الْبَالِغَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَذَلِكَ فِي تَغْسِيلِ مَنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ , وَالْمُرْتَثُّ (وَهُوَ مَنْ حُمِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ جَرِيحًا وَبِهِ رَمَقٌ) , وَمَنْ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ فَقَتَلَهُ , وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْمَعْرَكَةِ , وَمَنْ قُتِلَ ظُلْمًا , أَوْ دُونَ مَالِهِ أَوْ دُونَ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ آخَرَ , وَهُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالَهُمْ هَلْ يُعْتَبَرُونَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَمْ لَا؟ فَيُرْجَعُ لِلتَّفْصِيلِ إلَى مُصْطَلَحِ (شَهِيدٌ) .
ب - تَغْسِيلُ الْمَبْطُونِ وَالْمَطْعُونِ وَصَاحِبِ الْهَدْمِ وَأَمْثَالِهِمْ:
21 -لَا خِلَافَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الشَّهِيدَ بِغَيْرِ قَتْلٍ كَالْمَبْطُونِ , وَالْمَطْعُونِ , وَمِنْهُ الْغَرِيقُ , وَصَاحِبُ الْهَدْمِ , وَالنُّفَسَاءُ , وَنَحْوُهُمْ يُغَسَّلُونَ , وَإِنْ وَرَدَ فِيهِمْ لَفْظُ الشَّهَادَةِ.
14 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ - الَّذِي قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ , أَوْ وُجِدَ بِالْمَعْرَكَةِ جَرِيحًا , أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مَالٌ - يُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ} وَقَدْ رُوِيَ فِي ثِيَابِهِمْ , وَعَنْ عَمَّارٍ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا. . الْحَدِيثَ , غَيْرَ أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ الْجُلُودُ وَالسِّلَاحُ وَالْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْخُفُّ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ. لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: تُنْزَعُ عَنْهُ الْعِمَامَةُ وَالْخُفَّانِ وَالْقَلَنْسُوَةُ , وَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ {: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ , وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ ,} وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أُمِرَ بِنَزْعِهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ , وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {زَمِّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ} الثِّيَابُ الَّتِي يُكَفَّنُ بِهَا وَتُلْبَسُ لِلسَّتْرِ , وَلِأَنَّ الدَّفْنَ بِالسِّلَاحِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَدْفِنُونَ أَبْطَالَهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَسْلِحَةِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي أَكْفَانِهِمْ أَوْ يُنْقَصُ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ كَفَنِ السُّنَّةِ , لِمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابٍ أَنَّ حَمْزَةَ رضي الله عنه لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ إذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَاسِهِ حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَاسِهِ وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ