فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 460

الْمُسْتَاكَ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ , فَشُرِعَ لَهُ تَطْهِيرُ فَمِهِ بِالسِّوَاكِ , وَجَسَدُ الْمَيِّتِ قَدْ صَارَ جِيفَةً غَيْرَ مُنَاجِيَةٍ , فَلَا يَصِحُّ - مَعَ ذَلِكَ - الْإِلْحَاقُ.

الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَمْوَاتِ لِافْتِقَارِهِمْ إلَى رَفْعِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ إلَّا الْأَطْفَالَ لَا يُدْعَى لَهُمْ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ [1]

, لَكِنْ يُدْعَى لَهُمْ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ لِافْتِقَارِهِمْ إلَيْهَا , وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَدْعُو لِصَبِيٍّ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ: أَنْ يُعِيذَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ , وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ إذْ يَجُوزُ أَنْ يُبْتَلَى فِي قَبْرِهِ كَمَا يُبْتَلَى فِي الدُّنْيَا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَنْبٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا رَايًا مِنْ أَنَسٍ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ ذَاكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَلَا يُصَلَّى عَلَى الشُّهَدَاءِ فَإِنَّهُمْ قَدْ غُفِرَتْ لَهُمْ الزَّلَّاتُ لِأَنَّ أَوَّلَ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ يُكَفَّرُ بِهَا كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا صُلِّيَ عَلَيْهِمْ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَمَا صُلِّيَ عَلَى الْأَطْفَالِ؟ قُلْنَا: لَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُمْ قَدْ اسْتَغْنَوْا عَنْ الشَّفَاعَاتِ , فَتُرِكَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْجِهَادِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ عَلَى الْمَدِينِ مَعَ افْتِقَارِهِ إلَيْهَا قُلْنَا؟ تَرَكَهَا تَنْفِيرًا مِنْ الدُّيُونِ , لِمَا فِي الْعَجْزِ عَنْ أَدَائِهَا مِنْ مَضَرَّةِ أَرْبَابِهَا , وَلِأَنَّ الْمَدِينَ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ , وَقَدْ سُئِلَ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَثْرَةِ اسْتِعَاذَتِهِ مِنْ الْمَاثَمِ وَالْمَغْرَمِ فَقَالَ: {إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ} . فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَلَّى الصَّحَابَةُ عَلَى سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قُلْنَا: كَمَا أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أُمِرُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الدُّعَاءُ شَفَاعَةٌ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ فَكَيْفَ يُشَفَّعُ؟ قُلْنَا لَيْسَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ شَفَاعَةً لَهُ , وَلَكِنْ قَدْ أَمَرَنَا بِأَنْ نُكَافِئَ مَنْ أَسْدَى إلَيْنَا الْمَعْرُوفَ وَإِنْ عَجَزْنَا عَنْ مُكَافَأَتِهِ أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بَدَلًا مِنْ مُكَافَأَتِهِ , وَلَا مَعْرُوفَ أَكْمَلَ مِمَّا أَسَدَاهُ إلَيْنَا صلى الله عليه وسلم فَنَحْنُ نَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُكَافِئَهُ عَنَّا لِعَجْزِنَا عَنْ مُكَافَأَتِهِ.

وفي المجموع [2] : قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: (وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ قِتَالِهِمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَهُوَ شَهِيدٌ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ)

لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا} وَإِنْ جُرِحَ فِي الْحَرْبِ وَمَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ , وَمَنْ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ وَهُوَ جُنُبٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُغَسَّلُ , لِمَا رُوِيَ"أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ قُتِلَ ,"

(1) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 303)

(2) - المهذب للشيرازي - (ج 1 / ص 289) والمجموع شرح المهذب - (ج 5 / ص 260)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت