فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 460

فَكَانَتْ قَابِلَةً لِلسُّقُوطِ بِالْإِبَاحَةِ وَالْإِذْنِ , كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: أَتْلِفْ مَالِي فَأَتْلَفَهُ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنْ قَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْك , فَلَهُ الْقِصَاصُ إنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْإِبْرَاءِ بَعْدَ الْقَطْعِ , مَا لَمْ يَتَرَامَ بِهِ الْقَطْعُ حَتَّى مَاتَ مِنْهُ , فَلِوَلِيِّهِ الْقَسَامَةُ وَالْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ.

17 -وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشُجَّهُ فَشَجَّهُ عَمْدًا , وَمَاتَ مِنْهَا , فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) . وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَارِحِ: فَقَالَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ , لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الشَّجَّةِ لَا يَكُونُ عَفْوًا عَنْ الْقَتْلِ , فَكَذَا الْأَمْرُ: بِالشَّجَّةِ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِالْقَتْلِ , وَكَانَ الْقِيَاسُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ , إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ , فَتَجِبُ الدِّيَةُ. وَلِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفِعْلَ وَقَعَ قَتْلًا , وَالْمَامُورُ بِهِ هُوَ الْقَطْعُ لَا الْقَتْلُ. أَمَّا لَوْ عَفَا عَنْ الْجِنَايَةِ أَوْ عَنْ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ عَنْ النَّفْسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّاجِحِ , وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّاحِبَانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: إنْ سَرَى الْقَطْعُ الْمَاذُونُ بِهِ إلَى النَّفْسِ فَهَدَرٌ , لِأَنَّ الْقَتْلَ الْحَاصِلَ مِنْ الْقَطْعِ وَالشَّجَّةِ الْمَاذُونِ فِيهِمَا يُشْبِهُ الِانْتِحَارَ , فَلَا يَجِبُ فِيهِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ , وَلِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الشَّجَّةِ يَكُونُ عَفْوًا عَنْ الْقَتْلِ , فَكَذَا الْأَمْرُ بِالشَّجَّةِ يَكُونُ أَمْرًا بِالْقَتْلِ. وَلِأَنَّ الْأَصَحَّ ثُبُوتُ الدِّيَةِ لِلْمُورِثِ ابْتِدَاءً , وَقَدْ أَسْقَطَهَا بِإِذْنِهِ. وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الْحَالِ إنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْإِبْرَاءِ.

أَمْرُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ بِأَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ:

18 -إذَا أَمَرَ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ - أَمْرًا لَمْ يَصِلْ إلَى دَرَجَةِ الْإِكْرَاهِ - بِقَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ , فَهُوَ مُنْتَحِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ , وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ , لِأَنَّ الْمَامُورَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِاخْتِيَارِهِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وَمُجَرَّدُ الْأَمْرِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاخْتِيَارِ وَلَا فِي الرِّضَى , مَا لَمْ يَصِلْ إلَى دَرَجَةِ الْإِكْرَاهِ التَّامِّ الَّذِي سَيَاتِي بَيَانُهُ.

الْإِكْرَاهُ عَلَى الِانْتِحَارِ:

19 -الْإِكْرَاهُ هُوَ: حَمْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ. وَهُوَ نَوْعَانِ: مُلْجِئٌ وَغَيْرُ مُلْجِئٍ. فَالْمُلْجِئُ: هُوَ الْإِكْرَاهُ الْكَامِلُ , وَهُوَ أَنْ يُكْرَهَ بِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى تَلَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. وَهَذَا النَّوْعُ يُعْدِمُ الرِّضَى , وَيُوجِبُ الْإِلْجَاءَ , وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ. وَغَيْرُ الْمُلْجِئِ: هُوَ أَنْ يُكْرِهَهُ بِمَا لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ , وَلَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ الَّذِي يُعْدِمُ الرِّضَى وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ.

20 -إذَا أَكْرَهَ إنْسَانٌ غَيْرَهُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا لِيَقْتُلَ الْمُكْرَهَ , بِأَنْ قَالَ لَهُ: اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك , فَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الِانْتِحَارِ , حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ وَلَا الدِّيَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت