بِمَوْتَى الْكُفَّارِ , وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ , وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ اخْتِلَاطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ. وَإِنْ كَانَ الشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ , وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , إلَّا أَنَّهُ يُنْوَى الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا. وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا , وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا فِي الْأَصْلِ حَرَامًا. وَيُعْذَرُ الْمُصَلِّي فِي التَّنَحْنُحِ إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ.
17 -وَمِنْ الْقَوَاعِدِ: مَا لَوْ تَعَارَضَ وَاجِبَانِ , قُدِّمَ آكَدُهُمَا , فَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ. فَالطَّائِفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ لَا يَقْطَعُ الطَّوَافَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَلَوْ اجْتَمَعَتْ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ , قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ. وَمِنْ هَذَا لَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ , بِخِلَافِ الْجِهَادِ , فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَاهُمَا , لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ , وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ , وَفَرْضُ الْعَيْنِ مُقَدَّمٌ.
18 -وَلَوْ تَعَارَضَتْ فَضِيلَتَانِ , يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا , فَلَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ إلَى الْجُمُعَةِ بِلَا غُسْلٍ وَتَاخِيرُهُ مَعَ الْغُسْلِ , فَالظَّاهِرُ: أَنَّ تَحْصِيلَ الْغُسْلِ أَوْلَى لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ.
19 -وَمِنْ فُرُوعِ قَاعِدَةِ تَعَارُضِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ: مَا إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ , وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ , قُدِّمَ التَّحْرِيمُ. وَعَلَّلَهُ الْأُصُولِيُّونَ بِتَقْدِيمِ النَّسْخِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْمُبِيحُ لَلَزِمَ تَكْرَارُ النَّسْخِ , لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ , فَلَوْ جُعِلَ الْمُبِيحُ مُتَأَخِّرًا كَانَ الْمُحَرَّمُ نَاسِخًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ , ثُمَّ يَصِيرُ مَنْسُوخًا بِالْمُبِيحِ , وَلَوْ جُعِلَ الْمُحَرَّمُ مُتَأَخِّرًا كَانَ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ , وَهُوَ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا لِكَوْنِهِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ , وَلِذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ رضي الله عنه - لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ - أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ , وَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إلَيْنَا. قَالُوا: وَإِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ مُبَاحٍ , لَا اجْتِنَابَ مُحَرَّمٍ , وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ.
20 -وَمِنْ أَقْسَامِ التَّعَارُضِ: أَنْ يَتَعَارَضَ أَصْلَانِ , فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِالْأَرْجَحِ مِنْهُمَا , لِاعْتِضَادِهِ بِمَا يُرَجِّحُهُ. وَمِنْ صُوَرِهِ: مَا إذَا جَاءَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ بِمُشْرِكٍ , فَادَّعَى الْمُشْرِكُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ أَمَّنَهُ , وَأَنْكَرَ , فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ فِي إنْكَارِ الْأَمَانِ , لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَمَانِ. وَالثَّانِيَةُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْرِكِ , لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّمَاءِ الْحَظْرُ إلَّا بِيَقِينِ الْإِبَاحَةِ , وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ هُنَا فِيهَا. وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالَ عَلَى صِدْقِهِ مِنْهُمَا , تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ بِالظَّاهِرِ الْمُوَافِقِ لَهُ. وَلَوْ تَعَارَضَ الْحِنْثُ وَالْبِرُّ فِي يَمِينٍ , قُدِّمَ الْحِنْثُ عَلَى الْبِرِّ , فَمَنْ حَلَفَ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ وُجُودِهِ فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ , حَتَّى يَقَعَ الْفِعْلُ فَيَبَرُّ. وَالْحِنْثُ يَدْخُلُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَقَلِّ الْوُجُوهِ , وَالْبِرُّ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَكْمَلِ الْوُجُوهِ ,