فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 460

يتحققون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة، يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، أنه كائن بينهم قتال لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} .

وقوله: {الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل. قال الله تعالى: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي: إن كان القُعود يَسْلَم به الشخص من القتل والموت، فينبغي، أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مُشَيّدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول.

وفي الظلال [1] :

لقد كتب الله على نفسه النصر لأوليائه , حملة رايته , وأصحاب عقيدته. . ولكنه علق هذا النصر بكمال حقيقة الإيمان في قلوبهم ; وباستيفاء مقتضيات الإيمان في تنظيمهم وسلوكهم ; وباستكمال العدة التي في طاقتهم , وببذل الجهد الذي في وسعهم. . فهذه سنة الله. وسنة الله لا تحابي أحدا. .

فأما حين يقصرون في أحد هذه الأمور , فإن عليهم أن يتقبلوا نتيجة التقصير. فإن كونهم مسلمين لا يقتضي خرق السنن لهم وأبطال الناموس. فإنما هم مسلمون لأنهم يطابقون حياتهم كلها على السنن , ويصطلحون بفطرتهم كلها مع الناموس. .

ولكن كونهم مسلمين لا يذهب هدرا كذلك , ولا يضيع هباء. فإن استسلامهم لله , وحملهم لرايته , وعزمهم على طاعته , والتزام منهجه. .

من شأنه أن يرد أخطاءهم وتقصيرهم خيرا وبركة في النهاية - بعد استيفاء ما يترتب عليها من التضحية والألم والقرح - وأن يجعل من الأخطاء ونتائجها دروسا وتجارب , تزيد في نقاء العقيدة , وتمحيص القلوب , وتطهير الصفوف ; وتؤهل للنصر الموعود ; وتنتهي بالخير والبركة

ولا تطرد المسلمين من كنف الله ورعايته وعنايته. بل تمدهم بزاد الطريق. مهما يمسهم من البرح والألم والضيق في أثناء الطريق.

وبهذا الوضوح والصرامة معا يأخذ الله الجماعة المسلمة ; وهو يرد على تساؤلها ودهشتها مما وقع ; ويكشف عن السبب القريب من أفعالها ; كما

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 492)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت