فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 460

فى ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب. فقال الله - تعالى:"أنا أبلغهم عنكم. قال: فأنزل الله هؤلاء الآيات {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا} . . . إلخ الآيات".

وأخرج الترمذى وابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:""يا جابر مالى أراك منكسًا مهتما"؟ قلت يا رسول الله استشهد أبى - في أحد - وترك عيالا وعليه دين. فقال: ألا أبشرك بما لقى الله - عز وجل - به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحًا - أى مواجهة ليس بينهما حجاب - وما كلم أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فقال له يا عبدى تمن أعطك. قال يا رب فردنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال الرب - تعالى - إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب فأبلغ من ورائى فأنزل الله - تعالى - {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا} . . . الآية".

قال القرطبى - بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما - ما ملخصه:"فقد أخبر الله - تعالى - في هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون. والذى عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققه. ثم منهم من يقول: ترد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون. وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة. وقال آخرون أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يزرقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن ما صح به النقل فهو الواقع. وحديث ابن عباس - الذى سقناه قبل قليل - نص يرفع الخلاف".

والذى تطمئن إليه النفس: أن الآية الكريمة تنبه على أن للشهداء مزية خاصة تجعلهم يفضلون الموتى المعروفين لدى الناس، وهى أنهم في حياة سارة، ونعيم لذيذ، ورزق حسن عند ربهم. وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم كما يقال في غيرهم: أموات، وإن كان المعنى اللغوى للموت - بمعنى مفارقة الروح للجسد في ظاهر الأمر - حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى.

إلا أن الحياة البرزخية التى أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها الله - تعالى - ولا ندرك حقيقتها، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى، فقد قال - تعالى - في آية أخرى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} أى ولكن لا تحسون وال تدركون حال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت