اللّه لهم ونصرته ; فهم بها في غنى عن كل ما عداه , وهو مالك الملك ولا قدرة لأحد سواه: (وما كان اللّه ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون , إن اللّه بكل شيء عليم , إن اللّه له ملك السماوات والأرض , يحيي ويميت , وما لكم من دون اللّه من ولي ولا نصير) .
ولما كانت هذه طبيعة تلك البيعة ; فقد كان التردد والتخلف عن الغزوة في سبيل اللّه أمرًا عظيمًا , تجاوز اللّه عنه لمن علم من نواياهم الصدق والعزم بعد التردد والتخلف ; فتاب عليهم رحمة منه وفضلًا:
(لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة , من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ; ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت , وضاقت عليهم أنفسهم , وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ; ثم تاب عليهم ليتوبوا , إن اللّه هو التواب الرحيم) . .
ومن ثم بيان محدد لتكاليف البيعة في أعناق أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ; أولئك القريبون من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذين يؤلفون القاعدة الإسلامية , ومركز الانطلاق الإسلامي ; واستنكار لما وقع منهم من تخلف ; مع بيان ثمن الصفقة في كل خطوة وكل حركة في تكاليف البيعة: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل اللّه , ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفار , ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح , إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين , ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة , ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم , ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون) . .
ومع هذا التحضيض العميق على النفرة للجهاد بيان لحدود التكليف بالنفير العام. وقد اتسعت الرقعة وكثر العدد , وأصبح في الإمكان أن ينفر البعض ليقاتل ويتفقه في الدين ; ويبقى البعض للقيام بحاجيات المجتمع كله من توفير للأزواد ومن عمارة للأرض , ثم تتلاقى الجهود في نهاية المطاف:
(وما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة , ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم , لعلهم يحذرون!)
وفي الآية التالية تحديد لطريق الحركة الجهادية - بعدما أصبحت الجزيرة العربية بجملتها قاعدة للإسلام ونقطة لانطلاقه - وأصبح الخط يتجه إلى قتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للّه.
وقتال أهل الكتاب كافة كذلك حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون: