للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز الدين وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله تعالى المؤمنين بقوله {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ} إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه.
17 -... و قال القرطبي [1] ، قال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص أو المحاربين والخوارج فلذلك حالتان:
الأولى: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم أو غلب على ظنه أنه يقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا، ثم ساق دليلًا على ذلك.
18 -... و قال ابن جزي المالكي [2] : إن علم المسلمون أنهم مقتولون، فالانصراف أولى، وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو وجب الفرار.
19 -وقال ابن عابدين [3] : لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئًا بقتل أو بجرح أو يهزم، فقد نقل ذلك عن جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومدحهم على ذلك، فأما إن علم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم، لأنه لا يحصل بحمله عليه شيء من إعزاز الدين.
20 -وجاء في مغني المحتاج قول الخطيب الشربيني عن حديثه عن هجوم الكفار على بلد مسلم بغتة [4] : ... وإلا بأن لم يمكن أهل البلدة التأهب لقتال بأن هجم الكفار عليهم بغتة، فمن قُصد من المكلفين ولو عبدًا أو امرأةً أو مريضًا أو نحوه، دفع عن نفسه الكفار بالممكن له إن علم أنه إن أُخذ قُتل، وإن جوّز المكلف لنفسه الأسر كان الأمر يحتمل الخلاف، هذا إن علم أنه إن امتنع من الاستسلام قُتل وإلا امتنع عليه الاستسلام.
21 -وفي تكملة المجموع للمطيعي [5] : أشار أنه إذا كان عدد الكفار دون مثلي عدد المسلمين ولم يخشوا العطب، وجب الثبات ثم قال: فإن غلب على ظنهم الهلاك قال فيه وجهان: الأول: أن لهم أن يولوا لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} والثاني: أنه ليس لهم أن يولوا، وهو الصحيح لقوله تعالى {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} ولأن المجاهد إنما يجاهد ليقتل
(1) - في تفسيره 2/ 364
(2) - في القوانين الفقهية 165
(3) - في حاشيته 4/ 303