وقوله: {أَثْخَنتُمُوهُمْ} من الإِثخان بمعنى كثرة الجراح، مأخوذ من الشئ الثخين، أى: الغليظ، يقال: أثخن الجيش في عدوه، إذا بالغ في إنزاله الجراحة الشديدة به، حتى أضعفه وأزال قوته.
والوثاق - بفتح الواو وكسرها - اسم الشئ الى يوثق به الأسير كالرباط أى: عند لقائكم - أيها المؤمنون - لأعدائكم، فاضربوا أعناقكم، فإذا ما تغلتم عليهم وقهرتموهم، وأنزلتم بهم الجراح التى تجعلهم عاجزين عن مقاومتكم، فأحكموا قيد من أسرتموه منهم، حتى لا يستطيع التفلت أو الهرب منكم.
وقوله - سبحانه - {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} إرشاد لما يفعلونه بعد ذلك.
والمن: الإِطلاق بغير عوض، يقال: مَّن فلان على فلان إذا أنعم عليه بدون مقابل.
والفداء: ما يقدمه الأسير من أموال أو غيرها لكى يفتدى بها نفسه من الأسر.
وقوله: {مَنًّا} و {فِدَآءً} منصوبان على المصدرية بفعل محذوف: أى: فإما تمنون عليهم بعد السر منا بأن تطلقوا سراحهم بدون مقابل، وإما أن تفدوا فداء بأن تأخذوا منهم فدية في مقابل إطلاق سراحهم.
وقوله - سبحانه - {حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا} غاية لهذه الأوامر والإِرشادات.
وأوزار الحرب: آلاتها وأثقالها الى لا تقوم إلا بها، كالسلاح وما يشبه.
قال الشاعر:
وأعددتَ للحرب أوزارها ... رماحا طوالًا وخيلا ذكورا
أى: افعلوا بهم ما أمرناكم بفعله، واستمروا على ذلك حتى تنتهى الحرب التى بينكم وبين أعدئاكم بهزيمتهم وانتصارهم عليهم.
وسميت آلات الحرب وأحمالها بالأوزار، لأن الحرب لما كانت لا تقوم إلا بها، فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت الحرب فكأنها وضعت أحمالها وانفصلت عنها.
ثم بين - سبحانه - الحكمة من مشروعية قتال الأعداء، مع أنه - سبحانه - قادر على إهلاك هؤلاء الأعداء، فقال: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} .
واسم الإِشارة: خبر لمبتدأ محذوف، أى: الأمر ذلك، أو في محل نصب على المفعولية بفعل محذوف، أى: افعلوا ذلك الذى أمرناكم به وأرشدناكم إليه واعلموا أنه - سبحانه - لو يشاء الانتصار من هؤلاء الكافرين والانتقام منهم لفعل، أى: لو يشاء إهلاكهم لأهلكم، ولكنه - سبحانه - لم يفعل ذلك بل أمركم بمحاربتهم ليختبر بعضكم ببعض، فيتميز عن طريق هذا