فلا يبلغ هؤلاء ومن وراءهم من الأتباع , بل لا يبلغ أهل هذه الأرض كلها , أن يكونوا نمالا صغيرة. لا بل إنهم لا يبلغون أن يكونوا هباء تتقاذفه النسمات. لا بل إنهم لا يبلغون شيئا أصلا حين يقفون أمام قوة الله.
إنما يتخذ الله المؤمنين - حين يأمرهم بضرب رقاب الكفار وشد وثاقهم بعد إثخانهم - إنما يتخذهم سبحانه ستارا لقدرته. ولو شاء لانتصر من الكافرين جهرة. كما انتصر من بعضهم بالطوفان والصيحة والريح العقيم. بل لانتصر منهم من غير هذه الأسباب كلها , ولكنه إنما يريد لعباده المؤمنين الخير. وهو يبتليهم , ويربيهم , ويصلحهم , وييسر لهم أسباب الحسنات الكبار يريد ليبتليهم. وفي هذا الابتلاء يستجيش في نفوس المؤمنين أكرم ما في النفس البشرية من طاقات واتجاهات. فليس أكرم في النفس من أن يعز عليها الحق الذي تؤمن به , حتى تجاهد في سبيله فتقتل وتقتل , ولا تسلم في هذا الحق الذي تعيش له وبه , ولا تستطيع الحياة بدونه , ولا تحب هذه الحياة في غير ظله.
ويريد ليربيهم. فيظل يخرج من نفوسهم كل هوى وكل رغبة في أعراض هذه الأرض الفانية مما يعز عليهم أن يتخلوا عنه. ويظل يقوي في نفوسهم كل ضعف ويكمل كل نقص , وينفي كل زغل ودخل , حتى تصبح رغائبهم كلها في كفة وفي الكفة الأخرى تلبية دعوة الله للجهاد , والتطلع إلى وجه الله ورضاه. فترجح هذه وتشيل تلك. ويعلم الله من هذه النفوس أنها خيرت فاختارت , وأنها تربت فعرفت , وأنها لا تندفع بلا وعي ولكنها تقدر وتختار.
ويريد ليصلحهم. ففي معاناة الجهاد في سبيل الله , والتعرض للموت في كل جولة , ما يعود النفس الاستهانة بهذا الخطر المخوف , الذي يكلف الناس الكثير من نفوسهم وأخلاقهم وموازينهم وقيمهم ليتقوه. وهو هين هين عند من يعتاد ملاقاته. سواء سلم منه أو لاقاه. والتوجه به لله في كل مرة يفعل في النفس في لحظات الخطر شيئا يقربه للتصور فعل الكهرباء بالأجسام!
وكأنه صياغة جديدة للقلوب والأرواح على صفاء ونقاء وصلاح.
ثم هي الأسباب الظاهرة لإصلاح الجماعة البشرية كلها , عن طريق قيادتها بأيدي المجاهدين الذين فرغت نفوسهم من كل أعراض الدنيا وكل زخارفها ; وهانت عليهم الحياة وهم يخوضون غمار الموت في سبيل الله. ولم يعد في قلوبهم ما يشغلهم عن الله والتطلع إلى رضاه. .
وحين تكون القيادة في مثل هذه الأيدي تصلح الأرض كلها ويصلح العباد. ويصبح عزيزا على هذه الأيدي أن تسلم في راية القيادة للكفر والضلال