مناد للحر، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادى قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأى وغير ذلك.
فإذا قلت: ينادى للإيمان. ويهدى للإسلام، فقد رفعت من شأن المنادى والهادى وفخمته.
و"أن"فى قوله {أَنْ آمِنُوا} تفسيرية لما في فعل {يُنَادِي} من معنى القول دون حروفه، وجىء بفاء التعقيب في قوله - تعالى - حكاية عنهم {فَآمَنَّا} ؛ للدلالة على المبادرة والسبق، إلى الإيمان، وأنهم قد أقبلوا على الداعى لى الله بسرعة وامتثال، وفى ذلك دلالة على سلامة فطرتهم، وبعدهم عن المكابرة والعناد.
ثم حكى - سبحانه - مطلبهم فقال: {رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار} .
أى نسألك يا ربنا بعد أن آمنا بنبيك، واستجبنا للحق الذى جاء به، أن تغفر لنا ذنوبنا بأن تسترها وتعفو عنها، وأن تكفر عنا سيئاتنا بأن تزيلها وتمحوها وتحولها إلى حسنات أو بأن تحشرنا مع الأبرار أى مع عبادك الصالحين المستقيمين الأخيار. إذ الأبرار جمع بار وهو الشخص الكثير الطاعة لخالقه - تعالى -.
فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور، غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والوفاة مع الأبرار الأخيار، وهى مطالب تدل على قوة إيمانهم، وصفاى نفوسهم، وزهدهم في متع الحياة الدنيا.
وقد جمعوا في طلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات، لأن السيئة عصيان فيه إساءة، والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير، والغفران والتكفير كلاهما فيه معنى التسر والتغطية، إلا أن الغفران يضتمن معنى عدم العقاب، والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة.
ومعنى وفاتهم مع الأبرار: أن يموتوا على حالة البر والطاعة وأن تلازمهم تلك الحالة إلى الممات، وألا يحصل منهم ارتداد على أدبارهم، بل يستمروا على الطاعة استمرارا تاما.
وبذلك يكونو في صحبة الأبرار وفى جملتهم.
ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل، والعطاء الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} .
أي نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة، ما وعدتنا به من ثواب في مقابل تصديقنا لرسلك، وطاعتنا