خاليًا من المصلحة، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة، منتظما لمصالح عظيمة.
وكان نداؤهم لخالقهم - عز وجل - بلفظ {رَبَّنَآ} اعترافا منهم بأنه هو مربيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع.
وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه أى، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق، وجىء بفاء التعقيب في حكاية قولهم {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} لأنه ترتب على اعتقادهم بأنه سبحانه - لم يخلق هذا عبثًا - أن هناك ثوابًا وعقابًا، فسألوا الله - تعالى - أن يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار.
وقوله - تعالى - حكاية عنهم {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فى مقام التعليل لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار.
أى: أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار، فإن من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته وفضحته على رءوس الأشهاد.
والخزى: مصدر خزى يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس. وفى هذا التعليل مبالغة في تعظيم أمر العقاب بالنار، وإلحاح في طلب النجاة منها، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح عظمها وقوتها، كان رجاؤه في القبول أشد، وإخلاصه أتم، وعوده بالعطاء أقوى.
وقوله {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب الله - تعالى - أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء.
و"من"للدلالة على استغراق النفى، أى لا ناصر لهم ايا كان هذا الناصر، وفى ذلك إشارة إلى انفراد الله - تعالى - بالسلطان ونفاذ الإرادة.
ثم حكى - سبحانه - لونًا آخر من ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال - تعالى - {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} .
أى أنهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع لله رب العالمين: يا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى أى داعيًا يدعو إلى الإيمان وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فاستجبنا لدعوته، وآمنا بما دعانا إليه بدون تردد أو تسويف.
وفى وصفه صلى الله عليه وسلم بالمنادى، دلالة على كمال اعتنائه بشأن دعوته التى يدعو إليها، وأنه حريض على تبليغها للناس تبليغا تاما.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فأى فائدة في الجمع بين"المنادى"و {يُنَادِي} ؟ قلت: ذكر النداء مطلقا، ثم مقيدًا بالإيمان، تفخيما لشأن المنادى؛ لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادى للإيمان. ونحوه قولك: مررت بهاد يهدى للإسلام. وذلك أن النمادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى