فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 460

ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع أن نعرف أن الليل والنهار , ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس. ولا أن تناسق السماوات والأرض مرتكز إلى"الجاذبية"أو غير الجاذبية. .

هذه فروض تصح أو لا تصح , وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجيبة الكونية , واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها. .

وهذه النواميس - أيا كان اسمها عند الباحثين من بني الإنسان - هي آية القدرة , وآية الحق , في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار.

والسياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشئها استقبال مشهد السماوات والأرض , واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصويرا دقيقا , وهو في الوقت ذاته تصوير إيحائي , يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح , في التعامل مع الكون , وفي التخاطب معه بلغته , والتجاوب مع فطرته وحقيقته , والانطباع بإشاراته وإيحاءاته. ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب"معرفة"للإنسان المؤمن الموصول بالله , وبما تبدعه يد الله.

وإنه يقرن ابتداء بين توجه القلب إلى ذكر الله وعبادته: (قياما وقعودا وعلى جنوبهم) . . وبين التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار. . فيسلك هذا التفكر مسلك العبادة , ويجعله جانبا من مشهد الذكر. . فيوحي بهذا الجمع بين الحركتين بحقيقتين هامتين.

الحقيقة الأولى: أن التفكر في خلق الله , والتدبر في كتاب الكون المفتوح , وتتبع يد الله المبدعة , وهي تحرك هذا الكون , وتقلب صفحات هذا الكتاب. . هو عبادة لله من صميم العبادة , وذكر لله من صميم الذكر. ولو اتصلت العلوم الكونية , التي تبحث في تصميم الكون , وفي نواميسه وسننه , وفي قواه ومدخراته , وفي أسراره وطاقاته. .

لو اتصلت هذه العلوم بتذكر خالق هذا الكون وذكره , والشعور بجلاله وفضله. لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة. ولاستقامت الحياة - بهذه العلوم - واتجهت إلى الله. ولكن الاتجاه المادي الكافر , يقطع ما بين الكون وخالقه , ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية ; ومن هنا يتحول العلم - أجمل هبة من الله للإنسان - لعنة تطارد الإنسان , وتحيل حياته إلى جحيم منكرة , وإلى حياة قلقة مهددة , وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار!

والحقيقة الثانية: أن آيات الله في الكون , لا تتجلى على حقيقتها الموحية , إلا للقلوب الذاكرة العابدة. وأن هؤلاء الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت