وقوله: {ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أضافه إليه ونسبه إليه لِيدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلا كثيرًا، كما قال الشاعر: إن يُعَذب يَكُن غَرامًا وإن يُعْ ... طِ جَزيلا فإنَّه لا يُبَالي ...
وقوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} أي: عنده حُسْن الجزاء لمن عمل صالحا.
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن دُحَيم بن إبراهيم: حدثنا الوليد بن مسلم، أخبرني حَرِيز (3) بن عثمان: أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تَتهِموا الله في قضائه، فإنه لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يُحِب فليحْمَد الله، وإذا أنزل به شيء مما يكره فَليَصْبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب.
وفي الظلال [1] :
إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم. وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون , بالليل والنهار.
والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيها مكررا مؤكدا إلى هذا الكتاب المفتوح ; الذي لا تفتأ صفحاته تقلب , فتتبدى في كل صفحة آية موحية , تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب , وفي"تصميم"هذا البناء , ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق , ومودعه هذا الحق , مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان!!! وأولو الألباب. . أولو الإدراك الصحيح. . يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية ; ولا يقيمون الحواجز , ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات. ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم , فتتفتح بصائرهم , وتشف مداركهم , وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه , وتدرك غاية وجوده , وعلة نشأته , وقوام فطرته. بالإلهام الذي يصل بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود.
ومشهد السماوات والأرض , ومشهد اختلاف الليل والنهار. لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا. لو تلقيناه كمشهد جديد تتفتح عليه العيون أول مرة. لو استنقذنا حسنا من همود الإلف , وخمود التكرار. . لارتعشت له رؤانا , ولاهتزت له مشاعرنا , ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تناسق لا بد من يد تنسق ; ووراء ما فيه من نظام لا بد من عقل يدبر ; ووراء ما فيه من إحكام لا بد من ناموس لا يتخلف. . وأن هذا كله لا يمكن أن يكون خداعا , ولا يمكن أن يكون جزافا , ولا يمكن أن يكون باطلا.
(1) - في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 28)