هناك بين الناس إذًا شكَّاكون يتقلَّبون في الشك بين الشيء ونقيضه، أو هناك مَن يُسرع بالتصديق بأمر ما ثم يُسرع بتصديق ضدِّه. هؤلاء الشكَّاكون أو هؤلاء الذين يُسارعون في التصديق هم ضعفاء الإرادة أو مِن ضعاف الشخصية، هم مُهتزُّون في حياتهم ولا يَستطيعون أن يُبرموا أمرًا وأن يُنفذوا ما أبْرموه وارتَضَوه. ...
هم مترددون بين أن يفعلوا وألاّ يفعلوا، وهم إلى السلبية أقرب منهم إلى الإيجابية في حياتهم، هم سَطحيُّون، لا يتعمقون في الأمر ليقفوا على خصائصه، هم سيِّئو الظن بالآخرين، إن كانوا أزواجًا فهم سيئو الظن بزوجاتهم، وإن كانوا زوجاتٍ فهنَّ سيئات الظن بأزواجهنَّ، حتى الأمهات قد يُسِئْنَ الظن بأولادهم، والعكس كذلك. ومن سوء ظنِّهم بالآخرين يَشكُّون في سلامة تصرُّفهم وفي أمانتهم وفي مودتهم وتعاونهم، ولكنهم لا يَلْبثون في شكهم على حال واحدة؛ اليوم يشكون في أمر مُعين وغدًا يشكون في أمر آخر على الضدِّ منه.
وإذا تُرك هؤلاء المُتَشككون وشأنَهم فإنَّ أمْر التشكُّك يزداد لديهم ويتحول إلى ما يُسمى"بالوسوسة"فالوسوسة هي غلَبة التشكك على الإنسان الضعيف في إرادته. وقد تُصبح"مرَضًا"إذا أسلم نفسه لهواجس الهوى وخواطره. و"الموسوس"إنسان ضعيف الإرادة، سريع التصديق في الشيء وضده، سيئ الظن بالآخرين، تكثُر"السلبية"في حياته بقدْر ما تقل الإيجابية فيها، عديم الثقة بنفسه وبالآخرين، مُعذَّب بكثرة الشكوك، يَخاف مِن غَدِه ولا يطمئن إطلاقًا لمَا يأتي به حتى ينتهيَ عن آخر دقيقةٍ فيه، ومُعذَّب برُفْقته وبصُحبته مَن يكون رفيقًا أو صاحبًا له. فزوجة المُوسوس معذَّبة، وأسرة الموسوس كلها أيضًا معذَّبة، حتى أولاده الصغار، ورفقاء الموسوس مُعذَّبون إذا أصروا على رفقته، وقد ينتهي أمر الموسوس إلى عَزْله نفسَه عن الناس، وإلى ظلام التشاؤم في الحياة، وإلى اليأس فالانتحار.