على أن البنت بحكم تكوينها العاطفي يهُزُّها ويهزُّ كيانها ومستقبلها كما يهزُّ تفكيرها وسلوكها أن ترى الوالد ـ وبالخُصوص الوالد من الأبوين ـ يغمض الطرف عنها، فضلًا عن أن يؤثر أختها بمزيد عطفه ومودّته.
ولعلَّ من حسن توجيه تلك البنت المتخلّفة في التعليم أن يحاول الوالد ضمَّها من جديد إلى عطفه وحنانه، ويتناسى ولو إلى حين سبب تخلُّفها عن شقيقتها: (قَوْلٌ مَعْروفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) "البقرة: 263".
79 ـ القسْوة كطريق إلى جَبْرِ الخاطر
إني أختٌ لشقيقتينِ، الكبرى تزوَّجتْ، وأنا الصغرى عُقد قراني، والوسطى باقية، وأمي مجُاملة لأختي التي لم تتزوَّج وتُعاملني بشدَّة وقسوة وتَحرمني من أي عطفٍ، مُعتقدةً أن في هذا جبْرًا لخاطر أُختي. فما الرأي؟
ليس مِن المعقول أن تُضمر أمٌّ لإحدى بناتها حِقْدًا أو بُغْضًا، مهما قسَت عليها في التعبير أو احتدَّتْ معها في المناقشة، وهدَّدتها بكل إنذار ووَعيد، فطبيعة الأمومة ـ كطبيعة الأبوة ـ تجذب الأم نحو وَلدها ذكرًا أو أنثى، وتدفعها إلى الافتتان به.
ولذا كانت الأولاد عند الله، فتْنة وإغراءً بالنسبة لآبائهم وأمهاتهم كالمال سواء بالنسبة لمَالكه. فالأولاد والأموال مِن نِعَم الله التي يَختبر بها ـ سبحانه ـ مَن منحهم إيَّاها: هل سيَطغى حُبُّ الأولاد على آبائهم، وحب المال على مالكه، بحيث يَصير الأمر مع هذا أو ذاك إلى فساد؟ أم أنه سيكون، بجانب حب الأولاد، وحب المال، مكان لحِكْمة الآباء والأمهات ولحكمة مالك المال في التصرُّف إزاء هذه النعمة مِن الله فتنشأ الأولاد على الاستقامة، ويُنفَق المال فيما ينفع، لا فيما يضر الذات أو الآخرين؟ (واعْلَمُوا أنَّمَا أموالُكم وأولادُكمْ فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عندَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ) "أي في الآخرة، ولذا يجب تجنُّب الطغيان والعبَث عن طريق الأولاد والأموال في الدنيا" (الأنفال: 28) .