فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 1424

وهنا يكون الاختلاف في"عطف"الوالد ناشئًا في الحقيقة عمَّا يتمنّاه لأولاده. أي أنّه كان يتمنَّى أن تكون المتخلِّفة في العطف لديه على غِرار الأخرى التي تحوز أكبر قدر من تودُّده. وإلاّ فالاختلاف في مستوى التعليم أو في درجة المعرفة بين الأولاد لا ينبغي أن يحمل الوالد على الاختلاف في توزيع العطف بينهما.

وعلى أيّة حال فالذي يطلبه الإسلام من أي أب هو أن لا يفتتن بأولاده، جميعًا أو ببعض منهم، كما يُفتتن صاحب المال بماله:

(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنةٌ واللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) "التغابن: 15".

وتحذير القرآن هنا للآباء بعدم الافتتان بالأولاد هو لمصلحة الآباء والأولاد معًا. ويصدق الافتتان بإيثار بعض الأولاد على بعض بالمودّة والثناء أو بالرِّعاية والمال، بشكل يحمل من أثره بذلك على التدليل أو الانحراف، ويدفع مَن لم يؤثره على الاعوجاج في السلوك والتهيُّؤ لارتكاب الجريمة، أو على الأقل على التمرُّد على الصلات الأسريّة. وهذا وذاك لا ينبغي أن يتسبّب فيه والد يُكِنُّ في الأصل لأبنائه المحبّة، ويتمنّى لهم الخير ويرجو أن يكون حالهم في الغد أحسن من حاله مادِّيًّا ومعنويًّا، ولا يدَّخر وُسعًا في تيسير أمر الحياة عليهم.

فإيثار البعض على البعض من الأولاد بشكل ملحوظ هو توجيه سيِّئ للأولاد جميعًا وخطر في بناء الأسرة يؤدِّي حتمًا إلى انهيارها. وأول مَن ينهار من أعضائها هو قيمتها، وهو الوالد.

والإسلام لم يطالب الآباء بالعطف على أولادهم؛ لأن ذلك مقرَّر في الطبيعة البشرية بحكم ضرورة الغريزة في حفظ البقاء والامتداد الإنساني. فلا يحتاج الأمر إلى تأكيد أو توجيه. إنما الذي يطالب به الآباء هو عدم الاندفاع في هذا العطف للعواقِب الوخيمة التي تترتب حتمًا على المبالغة في تدليل الأبناء واتّخاذهم أصنامًا يتوجَّهون إليها بالعبادة والقرابين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت