فهنا في هذه الآيات الثلاث كان واضحًا ما يجب على الأبناء قبل الوالدين من معاملة. فهي لا تقوم على الرعاية وحدها في شؤون الإنفاق والتكفُّل بالحياة المعيشيّة المادِّيّة. وإنما بالإضافة إلى ذلك رعاية الجانب الإنساني في القول والسلوك نحوهما، بحيث يشعران بمتعة الراحة النفسيّة في كَفالة أبنائهما، وبأنَّهما الآن يقتطفان ثمار جُهدهما فيما مضى في تربية الأولاد وحضانتهم.
وإذ يقول القرآن الكريم في الآية الثالثة: (رَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفوسِكُمْ) فيخبر برقابة الله ـ جَلَّ شأنُه ـ وباطلاعه على ما تضمره نفوس الأبناء وتُخفيه قبل الوالدين.. يقول ذلك لكي يؤكد عناية الله بشأن الوالدين وتحقيق الإحسان في مجال معاملتهما من الأبناء.
وليس هناك أشدُّ جفاءً وغِلْظَة في مُعاملة الوالدين من امتناع الولد الأكبر عن أن يستجيب لنداء والدته ولوضعها الصحي المُتَرَدِّي وتركها وشأنها لأخيه الأصغر، التي تضطرُّه ظروف رعايتها إلى أن يطَّلع على عوراتها عند استحمامها.
وموقف الإسلام من اطِّلاع الابن على عَوْرَة أمِّه هو في الأصل موقف التحريم، وإن كان يجوز له أن يرى منها أكثر من الوجه والكَفَّين. فتحريم الزواج بالأمِّ، كما جاء في قول الله ـ تعالى ـ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) (النساء: 23) جاء تكريمًا للأمهات وسترًا لحرمتِهِنَّ قِبَل أبنائهِنّ. ولا شكَّ أن العورة في مقدِّمة الحرمات بالنسبة للإنسان.
ولكن إذا أصبح الاطِّلاع على عورة الأم من قِبَل الابن ضرورة تستوجبها صحة الأم ذاتها من جانب، وعدم وجود أنثى ولو غير مَحرم تُباشر خدمتها الداخلية من جانب لآخر، فإنَّ الإسلام لا يرى حظْرًا عندئذٍ أن يطَّلع الابن على عورة أمِّه عندما يقوم بغسلها وتنظيفها، وقاية لها من الرائحة الكريهة المنفِّرة أو من بعض الأمراض التي يستتبعها عدم نظافة الجسم كالجرَب أو الحَكّة مثلًا.