"وَهُوَ خَادِمٌ لِأَصْلٍ ضَرُورِيٍّ، وَهُوَ إِقَامَةُ الحياة؛ فهو مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَمُعْتَبَرٌ وَمَحْبُوبٌ مِنْ حَيْثُ هَذَا الْكُلِّيِّ الْمَطْلُوبِ؛ فَالْأَمْرُ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى حَقِيقَتِهِ الْكُلِّيَّةِ":
إذًا الحكم يُرجع إلى حقيقته الكليَّة، يعني كيف هؤلاء العلماء يتغلغلون في هذا الأمر! كيف أن الشرع مُنزَّل ليلائم كل قضية، الشيء قد يكون منفردًا في نفسه غائبًا في الصحراء فله حكمه، فإذا انتقل من الصحراء إلى المدينة لاحقوه ورأوا على أي شيء هو، ما هو حكمه في نفسه وقد استقل. هذا هو عقل الفقيه، الذين يريدون أن يرُكّبوا الطرابيش اليوم والعمائم على الكمبيوتر هؤلاء بقر، لا يفهمون دين الله! انظر هذه الدقة، هو شيء مرمي، في أصل وضعه هذا حكمه، الآن كيف نظروا إلى حكمه الآخر؟ نظروا إليه بعلاقته مع الأشياء الأخرى، مع حكم هذه الأمور، لا بد أن تكون عارفًا لهذه الأمور الأخرى، لا بد أن تكون عالمًا لما جاوره، وما بُني عليه. وليس هذا فقط، بل يجب عليك أن تكون مُستطلِعًا مُستلهِمًا مآلات هذا الشيء كيف سيكون بعد ذلك.
هذه العملية الإجرائية كما ترونها من الإحاطة بدين الله -عزَّ وجلَّ- أنه محيط لدين الله عالم بأحكام الشريعة ناظر للشريعة في فروعها، وكذلك عالم بالحال والواقع إلى درجة التغلغل إلى معرفة المآل (أين سيذهب، ما علاقته بالآخر) ، هذا هو الفقه.
هل هذا أمر يسير كما ترون؟! ولذلك: (العلماء ورثة الأنبياء) ، الأنبياء هؤلاء هم أعظم الناس، أعظم الناس عقلًا، أعظم الناس إدارة، أعظم الناس هداية، أعظم الناس نورًا في القلوب، أعظم الناس استطلاعًا لما سيكون، هذه المهمة هي أعظم المهمات، واليوم يعتبرون الشيخ هو الساذج! أي واحد غبي ليس بناجح يقولون له:"ادرس شيخ"، أي واحد راسب ولا يفهم شيئًا، وعقله الرياضي من أضعف ما يكون، ولا يستطيع أن يركّب مسألة رياضية، والمسائل الرياضية تجريدية، والفقيه لا يكون فقيهًا حتى يكون تجريديًا ويكون مع ذلك واقعيًا، يجب أن يكون رياضيًا ويكون كذلك مهندسًا، والقصد مهندس يعني يتعامل مع المادة والأبعاد الموجودة في الحياة، ثم بعد ذلك أن يكون مستطلعًا مستنيرًا، وهكذا. أما اليوم ما شاء الله! لأنه عنده القدرة على أن يعرف ماذا قال أبو حنيفة، وماذا قال الشافعي، يحفظ الدرس في خمس دقائق حتى يقدم في الامتحان، ويخرج وقد انتهى من الأمر، الإحرام انتهى يا شيخ، كالذي ذهب إلى العمرة أو الحج ثم خلع الإحرام!
"فَالْأَمْرُ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى حَقِيقَتِهِ الْكُلِّيَّةِ، لَا إِلَى اعْتِبَارِهِ الْجُزْئِيِّ":
قوله:"الأمر به"أي الحكم به، الحاكم المفتي القاضي يحكم باعتبار كليَّته لا باعتبار جزئيَّته.