ولكن كلمة (باطل) لا تعني الحرمة، كلمة باطل أي لا منفعة فيها. إذًا الشارع هنا بقوله (باطل) يقرر حكمًا قدريًا لا حكمًا شرعيًا، يمكن أن نأخذ هذا الحكم القدري فنزيله إلى الحكم الشرعي بأنه من اللهو، يعني الذي لا أجر له فيه ولا إثم عليه. قد يكون بعد ذلك وسيلة لأن يجر إلى الباطل وقد يكون وسيلة لأن يجر إلى الحق، كما هو شأن كل أمر حيادي، كما هو شأن كل أمر سلوبي. الأمر السُّلوبي يمكن أن يكون هكذا ويمكن أن يكون هكذا ما لم يكن في أصله محكومًا بحكم. فإذا كان الشيء محكومًا بأصله بحكم؛ انتهينا منه، لكن إذا كان الشيء في أصله عدمًا -كما كلمة (باطل) -؛ فإنه يمكن أن ينزاح إلى الحق، ويمكن أن ينزاح إلى الباطل بحسب فاعله وبحسب مآله.
فقوله (باطل) هو حكم قدري، يعني لا قيمة له، لا وجود له، أي لا أهمية له. ويمكن لهذا الباطل أن يصبح حرامًا، كبعض الألعاب التي هي في أصلها مباحة ولكنها تجر إلى الإثم وتجر إلى الخصومة وتجر إلى القمار وتجر إلى ترك الواجبات الشرعية؛ فهذه تُلحق بحكمها بحسب ما جرّت إليه. وقد يستفيد الناس منها، فيحملونها على ما فيه منفعتهم؛ فحينئذ يصبح بحسب ما جُرَّت إليه. فإذًا كلمة (باطل) هو حكم قدري.
وهذا كثيرًا ما ينطق به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعض العلماء يفسر بعض الأحاديث على هذا المعنى من أجل التنبيه له، كقوله - صلى الله عليه وسلم: (ما صام من صام الدهر) هذا بعض أهل العلم يرى أنه حكم قدري، لا علاقة له بالشرع، فلو صام الرجل الدهر لم يكن آثمًا، ما لم يصم الأيام المحرمة، كالمرأة حين يأتيها حيضها أو نفاسها، أو كالرجل حين يصوم في أيام محرمة كالعيدين، وإلا فصيام الدهر هذا جائز، فكيف نحمل هذا الحديث؟ هو حملٌ على الأمر القدري، أي أنه لم يستفد من صومه فيما يُسمى صومًا، لماذا؟ لأن الصوم هو قطع النَّفْس عن علائقها وعن شهواتها، فالمرء الذي يتعود أن يأكل في هذا الوقت ويفطر في هذا الوقت وكذا، هو كيف يكون للصوم أثره، ليس الشرعي بل القدري؟ كيف يُسمى صومًا؟ الجواب: حين يخالف مجريات النفس وطبائعها؛ فحين يتعود المرء هذا الفعل فكأنه لم يصم، هو هكذا تعوَّد ولم يصم، وذهب عنه أثر الصيام، هكذا يفسر بعض أهل العلم بعض الأحاديث تفسيرًا قدريًا، ومنه هذا الحديث، يقول: (كل لهو فهو باطل) يعني لا شيء، لا قيمة له، هو أمر سلوبي، لا يحمل دلالة.
الأمر الثاني: أن الباطل عند علمائنا هو فراغ الحالة من الحق، هذه كلمة يجب علينا أن نعمِّمها في فهمنا في صراعنا مع الباطل، كيف؟ ما معنى الظلمة؟ هي غياب النور، فما الظلمة إذًا؟ الظلمة ليست شيئًا وجوديًّا، ليست شيئًا فاعلًا، ليست شيئًا حاضرًا، إنما هي أمر سلبي بغياب الحق، كالظلمة بغياب النور، فإذا جاء النور ذهبت الظلمة، ولذلك: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ