تبقى قضية أن هذا النص يحمل دررًا، ولكن يمكن أن يدخل فيه المرء فيخرج بالحجر زاعمًا أنه الدرر، يمكن أن يدخل الإنسان في هذا العالم العظيم من العلم والنص ويخرج بالكذب والبهتان ويقول: هذه درة مأخوذة من هذا المنجم، نقول له: كذبت.
ولذلك كان لا بد من حديث الشيخ عن رجال الاستنباط، عن رجال الحفر، وهم العلماء. وتكلم كلامًا من العذوبة والعظمة والاستقصاء بمكان عندما تكلم عن العلماء، بأن الذين يستحقون تسميتهم بالعلماء في هذا الباب هم الذين يعيشون مع العلم كمَلكة تعيش معهم حتى أنها تصبح جزءًا من شخصياتهم ونفوسهم.
ثم ذكر بعد ذلك مراتب الدنيا إلى آخره، وأن هناك مرتبة الذين يفترون على الشريعة، يدخلون فيها يكذبون ويريدون أن يتخذوها سلمًا لإبطال الشريعة؛ فلذلك هو تكلم عن الشخصية التي تنفع للدخول في العلم لإخراج مقاصد هذا العلم الحقيقية وليست المزورة.
وهذا كلام عظيم من هذا الشيخ، وليته يكون حديثًا يشرح في الدروس وفي المساجد وبين طلبة العلم؛ لأن حديث الإمام الشاطبي أبو إسحاق -رحمه الله- حديثٌ يكشف واقع كل وقت، ففي كل وقت تجد الناس والعلماء، وكذلك يكشف مراتبهم مع هذا الدين، وهذه المرتبة التي يدعو إليها الشيخ -وهي المرتبة الأولى- رأينا أنها مرتبة ذوق وشعور يحسها المرء، يذوقها، وليست فقط مرتبة عقل وإدراك، وهكذا لما كانت العلوم هي مسائل تجريدية؛ فقد تصل إلى هذا المعنى من خلال الذوق الذي لا يستطيع المرء أن يصفه، فلو سأل رجل عنين فحلًا عن كيف إتيان النساء؛ لا يستطيع أن يصفه له، وهذا الغزالي ضرب هذا المثال في معيار العلم.
القصد أن هناك من المراتب ما تحتاج إلى أن تعيشها، وأن تحسها، وأن تعرفها عن طريق ذوقك وممارستك ومجاهدتك.
فتحدث عن هؤلاء المجتهدين، وهي مرتبة في أصول الفقه يتحدث عنها في كتاب الاجتهاد: من هم المجتهدون ما هي شروطهم، إلى آخره؟ ولكنه هنا في المقدمات تكلم عنها على أساس أنها المفاتيح التي تصلح للدخول في بناء العلم، مع حديثه عن بناء أصول الفقه.