فتأصيل العلوم ليس كالبناء عليها؛ التأصيل يكون شاقًّا، والمثال يكون صعبًا، ويأتي الآخر ويبني عليها بعد ذلك، فيظن الناظر أن المتأخر أتى بما لم يأتِ به المتقدم، فاحذروا من هذه الكلمة الجاهلة والخاطئة:"ما ترك الأول للآخر شيئا"، هذه الكلمة مميتة للإرادات، مميتة للعقل، مميتة للفكر، والصواب:"كم ترك الأول للآخر!"؛ فأن تأخذ كلام الأولين فتصيغه علمًا هذا شيء عظيم؛ فالبخاري صاغ كتابه، وهذا الكتاب أنتج علومًا بعد ذلك؛ فهناك من ألف في تراجم البخاري، فصارت التراجم فنًّا في دراسة الفقه، وهناك من ألف في منهجه في الرجال، فصار هذا علمًا، فصار الكتاب ينشِئُ علومًا. وهذا ليس فقط في كتب الحديث، كذلك التفسير أنشأ علومًا: قواعد التفسير، طرق ترجيح التفسير؛ فعلم التفسير بكل ما فيه أنشأه وجود صحابيٍّ يفسر كلام ربنا سبحانه وتعالى.
لذلك هناك الكثير مما يمكن أن ينتجه طالب العلم لو تفكر، لكن ينبغي ألا يتمحَّل، وألا يبتعد عن حاجات الأمة، فأن تذهب إلى حاجات الأمة؛ هذا هو من الإبداع، على قاعدة أنه لا يكون الإبداع إلا إن قتل الماضي بحثًا.
فما نريد أن نقوله هو أنه لا يمكن لك الآن أن تصل إلى فهم كتب المتقدمين إلا بشروحها التي كتبها المتأخرون، واحتقار كتب المتأخرين [1] معناه أن تنقطع النسبة بينك وبين كتب المتقدمين، فلا بد لك من السُّلم؛ لأنك صغير وأنا صغير والمتأخرون صغار، وهذا مهم جدًا.
فأنا قلت أن الإمام الشاطبي كلامه عظيم لأن كلامه للعلماء، وكما ذكرت في كتاب (فن القراءة) أن من أهمّ صور تحقيق القراءة الجدلية الواعية ومعرفة العلم؛ أن تقرأه في طبعته الأولى، في صورته الأولى؛ أي كيف نشأ هذا العلم، وإذا لم تصل لهذه المرتبة تكون بحاجة إلى أن ترتقي شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى كتب الأقدمين فتعرف مراد أهلها وكيف نشأت.
القصد أن معرفة كتب الأقدمين لا تتم إلا من خلال السُّلم، وهو شرح كتب المتأخرين؛ لأنها أوسع عبارةً، أكثر شرحًا، أكثر تسهيلًا للناظر، وهذا ما نحتاج إليه، لكن عليك أن ترتفع في النسبة، وإذا كان باستطاعتك اليوم أن تقول:"قال ابن عبد"
(1) هناك طريقة قبيحة انتشرت لتقبح بعض كتب المتأخرين -وهذه نبه عليها الأستاذ شاكر في مقدمة كتاب (أساس البلاغ) -، وللأسف السلفية المعاصرة تمارسه هذه اللعبة، وهي البحث عن أضعف حلقات الكتاب وتعميمها عليه، وكان يمارسها العقاد، ويمارسها بعض المشايخ المعاصرين، بأن يذهب إلى كتاب فقهي من كتب المتأخرين (يشرح فيه متنًا من المتون) ، فيقول أنه لا قيمة له بسبب خطأ فيه؛ فهل يُقبّح الكتاب وإنتاج المتأخرين في الفقه لمجرد خطأ؟ أضرب لكم مثالًا: كان مما قاله المتأخرون بأنه لو كُسر ظهر الرجل فخرج منيه؛ أيجنب أم لا؟ فهذه موجودة في الكتب لأنها مبنية على تصورهم أن المني مصدره الظهر، وهذا غير صحيح، وفي سورة البروج لما قال الله -عز وجل-: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَأَىئِبِ} ، هذا الضمير لا يعود على المني، وقد انفرد الرازي في تفسيره (التفسير الكبير) بكون هذا الضمير يعود على الإنسان وليس المني، وهو أصوب ما جاء فيها، المني مكانه معروف (الخصيتين) ، هذا هو مصنعه علميًا ولا يخرج إلا منه.