فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 809

الأقدار الشرعية ليست على مرتبة واحدة؛ فأهل الأخدود انتصروا، لم يغيروا ويبدلوا، وعلموا أن فتنة الوقت التي عاشوها هي أن يموتوا شهداء.

انتبهوا لهذا حتى لا تفهموا الطريق بشكل خاطئ، وشيخ الإسلام -جزاه الله خير الجزاء- لما علق على قضية المقاصد قال بأن الذين نظروا إلى المقاصد غفلوا مسألة عظيمة وهي نظر المقاصد إلى رضى الله وما يحب الله وما يكره، فنظروا فقط للمقاصد باعتبار ما تُحَصِّلُ من محاسن ومصالح دنيوية وأخروية، لكن لم يلتفتوا إلى ما يحب الله وما يُغضب الله.

فأنت إذا نظرت إلى ماذا يحب الله؛ قد يريد منك أن تُقْدِم برقبتك لتموت، مثل ما فعل الفتى لما قال:"تجمع الناس في صعيد واحد وتربطني على جذع، ثم خذ سهما من كِنانتى ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل بسم الله رب الغلام، ثم ارْمِ فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني"، وهذا حقق رضى الله. وأنا أفسح الدائرة حتى لا نفهم المقاصد بمفهومها فقط الدنيوي وبما يتحقق من النصر الدنيوي، مثل لما قال الشاعر:

فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى

فهذا علم أن في موته غيظ الأعداء، لكن ليس هذا هو النظر، النظر هو ماذا يحب الله، وماذا يبغض الله.

فإذًا -أيها الإخوة الأحبة-، رأينا هذا الفاروق العظيم عمر المعروف بحكمته العظيمة وبأنه لم يكن يقول:"أظن كذا"إلا كان كما قال، وهذا في فهمه لأقدار الحياة، فهو كان يستطلع ويعرف، حتى أن الناس كانوا يخافون أمامه أن يغوص في قلوبهم فيكشفها كما هي، الناس كانت عنده كأنها كتاب مفتوح، ومع هذا قال ما قال في الحديبية، فالفتنة كانت عظيمة.

وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (الاستغاثة الكبرى) ذكر غريبةً: لما خرج الناس في أول الأمر يقاتلون التتار قال أنهم سينهزمون، فكانوا يعجبون، ورجعوا فعلًا منهزمين، ثم في المعركة الثانية قال لهم أنهم سينتصرون إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا!! والإمام لا يعلم الغيب، لكنه يفهم أقدار الله كيف تجري، مثل ما يفهم سائس الخيل أن خيله في المائة متر الأخيرة ستتعثر، لأنه يعرفها ويعرف مواطن الضعف فيها.

فالطريقة للنجاة من فتنة القدر هي النظر إلى الكبار كيف يلاحظون، وقد يقال أن هذه صوفية جديدة وتسليم وتقديس للشيوخ، لكننا لا نتحدث عن الواجبات والفرائض ولا عن الأحكام الشرعية المختلف فيها، فهذه تُدرس بأدلتها، بل نتحدث عن فتن الواقع لما يصفق لها الصغار لأنهم ينظرون إلى البهارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت