"المقدمة التاسعة:"
من العلم ما هو من صلب العلم، ومنه ما هو مُلح العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه؛ فهذه ثلاثة أقسام"،"
مرَّ الشيخ -رحمه الله- مرورًا رائعًا على أقسام العلماء، وبيّنَ حالهم مع هذا العلم العظيم، وما هي درجة تفاعلهم وأخذهم له، ورأينا في الجملة السابقة كلامًا طيبًا في أن العلم لا يكون حقًا إلا بالعمل، وأنه ينزل من الرأس إلى القلب، ومن العقل إلى النفس.
والآن؛ يتكلم الشيخ -رحمه الله- عن أقسام العلم، ويُقسمه إلى قسمين:
-القسم الأول: هو ما كان من صلب العلم.
وكلمة"صلب"هي التي يتم بها قيام الشيء؛ ولذلك"فقار الرجل"هو صلبه، ويقال لابنه:"صلبه"لأن قيام الرجل إنما يكون من صلبه. كذلك كلمة"قوم"؛ الناس يظنون أن"القوم"يدخل فيهم النساء، والقرآن يفرق بين القوم وبين النساء: {أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} ، ففرق بين القوم والنساء لأن كلمة"قوم"مأخوذة من"القيام"، وقيام الرجل لا يكون بالنساء، إنما قيام الرجل يكون بقومه الذين يقومون به عند الملمات وعند الحاجة، والنساء لا ينفعن لهذا.
فالصلب هو الذي إذا ذهب ذهبت الحياة، وصلب العلم هو ما يقوم به شأن الحياة. وسيأتي الشيخ إلى أوصاف صلب العلم، وصفات العلم الضروري، وما سيقوله في هذا مهم جدًّا، وقد أخذه العلماء بعده ونفروا إليه، وله بعض المقدمات في كلام السابقين، ولكنه جمعه جمعًا رائعًا.
-القسم الثاني: هو ما كان من مُلح العلم.
و"مُلح"مأخوذ من المِلح، فإن الطعام يقوم بغير الملح، وإنما يوضع الملح للمذاق؛ وإلا فلو خلا الطعام من الملح الذي يوضع عليه لكفى الطعام. فملح العلم هو ما كان زائدًا عن ضروريات وحاجيات الحياة.
قوله:"ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه"
-وهذا قسم ثالث لا ينفع لا من جهة قيام النفس والحياة، ولا من جهة أنه فيه المتعة؛ بل هو كما وصف الشيخ المنطق سابقا بأنه:"لحم جَملٍ غَثّ، على رأس جبل وعر، لا سهلٌ فيرتقى، ولا سمينٌ فينتقل"، فهو لو كان لحم جمل فقط فإنه يعاب، فكيف إذا كان لحم جمل غث، وعلى رأس جبل وعر، الوصول إليه صعب؟! فلو وصلتَ إليه وصلت بمشقة، وحين تأتيه لا تجد إلا سرابًا.