فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 486

يكون من عقبك، ورزقته هذه الجارية. ا لا ترى انّ النّور الذى كان على جبينك قد انتقل الى جبين ابنها هذا. وانّى كلما رأيت ذلك ازداد أسفي، وضاعف «1» همّى وقد علمت انّ صداقى عليك انما هو رضاي وطاعتي والانتهاء الى أمري لم اطلب منك صداقا غيره. وانا آمرك ان تحمل هذه الجارية وابنها حتى تأتي بها بلادا لا ماء فيه ولا زرع، فتسكنها، ولا تنزلها، حتى تنصرف. قال: افعل ذلك، ولا اخالف امرك. فحمل اسماعيل وامّه، وسار بهما الى الحرم، وانتهى الى مكة. ولم يكن بها يومئذ خلق من الناس، الّا بناحية عرفات.

فان ولد معاوية بن بكر الذى قد اضاف وفد عاد كانوا يتناسلون هناك. وكانوا اناسا كثيرين، ذوي ابل كثيرة، وغنم جمة. فلما انتهى ابراهيم بابنه اسماعيل وامه الى مكّه، انزلها هناك. والبيت حينئذ ربوة مشرفة على ما سواها. ولم ينزل عن مطيته، حتى ولّى منصرفا. فنادته هاجر وقالت: يا نّبي الله! على من تخلفنا بهذا المكان؟ فالتفت اليهما ابراهيم، وقال أخلّفكما الى الله، واستودعكما ايّاة ثم مضى.

فلم تكن الاساعة حتى «2» عطش اسماعيل عطشا شديدا، وهو يومئذ من ابناء ثلاث سنين، فدخل امّه حزن شديد، وجعلت تتضرّع الى الله، وتعدو يمنة ويسرة. وسمعت حسّا، فانصتت «3» فلم تر شيئا، فكانت تسعى من الصفا الى المروة، ومن المروة الى الصفا، وهى فيما بين ذلك فتأتى اسماعيل، فيضع يدها على فيه مخافة ان يموت من العطش، ثم تسعى يمنة مرة ويسرة مرة «4» ، وهى في ذلك تدعو الى الله، وتبتهل ان يرحم صبيها بأبيه، فمكثت بذلك هونا ثم سمعت حسا، فأنصتت. وقالت: يا رب، عجّل فرج ابن نبيك وخليلك، فقد اشفى على الهلاك، فاحفظ فيه اباه. اللّهم انا وديعته عندك، فلا تضيّع وديعتك، يا من لا يضيّع وديعته، يا ارحم الراحمين. ثم جعلت تسعى بين الصفا والمروة «5» مرات كثيرة من شدة الوله والحزن، خوفا على ابنها ان يموت عطشا. وذلك اوّل سعى هناك. فبدا لها جبرئيل في صورة آدمى، فركض برجله الارض موضع زمزم، فنبع من موضع رجله ماء اشد بياضا من اللبن، واحلى من العسل، وادسم من السمن. فاستطارت بذلك هاجر فرحا، وبادرت فبلّت طرف ثوبها بذلك، واحضرت ولدها، فعصرت في فيه، فرجعت اليه نفسه، وقد كان اشفى على الهلاك ثم رجعت الى ذلك الماء، فجعلت تحظر عليه بالترّاب اشفاقا ان يفيض فيه، فيذهب. قال ابن عباس:

(1) . تاريخ، تصاعف، النهاية: ضوعف

(2) . تاريخ والنهاية: ثم

(3) . النهاية: فمضت

(4) . تاريخ: مرة بعد اخرى

(5) . تاريخ: من الصفا إنى المروة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت