فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 486

مصافّهم، وتواقفوا فترامو بالنبل، حتى نفدت. ثمّ تطاعنوا بالرماح، حتّى تكسرت. ثم افضوا الى السيوف والعمد، فاضطربوا بها من لدن الغداة الى الليل. ثم انصرف كل فريق منهم الى معسكرهم يوم الجمعة، ثمّ ابتكروا وتواقفوا مليّا من النهار لا يزول احد منهم عن مصافّه، لشدة ما اصابهم في اليوم من ألم الجراح. والعرب سكوت يذكرون الله ويسبّحونه. والعجم وقوف على خيولهم تدور عليه السقاة بالخمور، ويغنيهم المغنون ويعزف بين ايدى الصفوف بالمعازف والزمر. فركب نعمان برذونا اشهب، ولبس ثوبا ابيض فوق الدرع، ووضع على رأسه فوق البيضة قلنسوة بيضاء مصقولة لها شعاع.

فحمد الله، ثم قال: يا معشر العرب، انّكم نظام الاسلام في اهله، استعملوا الصبر والزموه تثابوا، فانّكم على احدى الحسنين: اما الغنيمة والفضل واما الشهادة والفوز. ثم ركب فرسه وجعل يدور على اصحاب الرايات والصفوف ويقول «1» : ايها الناس، انما قوام الاسلام باللّه، جّل وعزّبكم. فاصبروا ان اللّه وعد الصابرين أجرا عظيما انّ هولاء العجم قد حبسوا عليكم اموالا وخزائن كثيرة ودنيا عريضة ان هربوا اسلموا خزائنهم واموالاهم اليكم. وانما تخطرون انتم عليهم بالاسلام والحرمات. فان هربتم؛ اوهنتم الاسلام، واضعتم الحرمات ليشتغل كل منكم «2» بقرنه ولا يكل قرنه على اخيه، فان، ذلك عار «3» في الدنيا وعقاب في الاخرة. ايّها الناس انّ عاقبة الصبر محمودة، وزمع الصبر يكون النصر. فجعل يدور، ويقول هذا على الناس، والناس وقوف تحت راياتهم وفى صفوفهم.

ثم أقبل المغيرة بن شعبة فقال: ايّها الامير، انّ الناس متشوقوّن الى لقاء هؤلاء العجم، وقد استعدوّا للحرب، فما تنتظر؟ فقال النعمان: يرحمك الله، فانى منتظر للساعة التى كان رسول الله يتفّأل بها، وهو وقت الزّوال ومهّب الرياح. حتى اذا قارب ذلك الوقت، نادى النعمان: يا معشر العرب انّى اهزّ الراية، فمتى اهزّ الراية ثلاث مرات، فاذا هززت اولا؛ فكبّروا، وليستوثق كل رجل منكم من حزام فرسه، وليستو على متنه. واذا هززته الثالثة؛ فكبروا، واحملوا، فانى احمل اوّلكم. ولا قوة الا باللّه العظيم. فمدّ الناس اعينهم الى الراية.

فلما الشمس، وهبت الرياح؛ هز النعمان الراية، فنزل الناس عن خيولهم، وشدّوا حزمها، واستوثقوا منها. ثم هزّ الثانية، فاستعدّ القوم، وأشرعت الأسنة، وهزوا السيوف ثم هزّ الثالثة، فحمل النعمان، وحمل المسلمون معه. فلم يكن للعجم ثبات عند حملتهم، فانهزموا على وجوههم. فكان النعمان بن مقرن اوّل قتيل. فاحتمله سويد اخوه، فأدخله

(1) . الطبري 2623 و2624

(2) . الطبرى 1: 2624

(3) . ص: الحرمات وكان ذلك عارا ... عقاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت