جيوش العجم مردانشاه حتى نزل بعسكره عند قرية تسمى جيلهشت «1» ، وبين العسكرين مقدار نصف فرسخ. وانّ مردانشاه يجمع «2» الفعلة اليه من كل قرية، فحفروا كهيئة الخندق مستطيلا في ما بين عسكر العرب وبين جبل يسمى ابراى «3» . فحفر في عرض عشرين ذراعا وحفر في الارضين عشرين ذراعا. ثم ظهر نيران السبخة، واجرى عليه الماء، وجعل طوله فرسخين مع بطن ذلك الرستاق. وجعل مكيدة للعرب، وظن ان الخيل ان انهزمت اخذت نحو الجبل، فتهورّت في ذلك الخندق.
وقال ابو مخنف بن قيس: لما وافى النعمان بن مقرن بجيوش العرب بنهاوند، وكان في زهاء ثلاثين الف رجل من اعلام العرب وفرسانهم واشرافهم، ونزع مردانشاه في جيوش العجم بجيل هشت، وكان في زهاء ثلاثمائة الف رجل من العجم، وخندق على انفسهم.
وكانت امداد العجم تترى على مردانشان من قبل يزدجرد. وكان بمدينة قم وقاشان.
فمكثوا ايّاما لا يبرحون «4» من معسكرهم، ولا يخرج العجم من خندقهم ومعسكرهم. فقال النعمان لعمرو وطليحة: ان هؤلاء العجم قد عسكروا بمكانهم، وخندقوا على انفسهم، وامسكوا عن الخروج الى الحرب. وامدادهم هم تترى عليهم كّل يوم. وليس الرأى الا معالجتهم، فكيف الحيلة في ذلك؟ قال عمر بن معديكرب: الرأى ان تشيع ان امير المؤمنين مات، ثم ترتحل وجميع جنودك مولّيا. فانك اذا فعلت ذلك؛ خرجوا من معسكرهم فاتبعوك. ثم اعطف عليهم. فان ولّوا، كانت الهزيمة؛ وان وقفوا، كانت الجرب بيننا وبينهم. قال النعمان: هذا لعمرى الرأى. ثم ان النعمان بات ليلته كلّها يعبئ اصحابه، ويعقد لهم الرايات، ويؤمر عليهم الامراء، وجعل لكل امير من امرائه شعارا معروفا. فاذا دعوا به، اجتمعوا اليه. فلما اصبح بهم، سار بهم على تعبيتهم وتحت راياتهم موليّا. وقد امر اصحابه بحمل اثقالهم وقدموها امامهم. فأشاعوا ان امير المؤمنين قد مات. فلما بلغ مردانشاه ذلك؛ نادى في عسكره فاستلاموا، وركبوا. فسار بهم في اثر العرب، حتى لحقهم قريبا ولم يتباعدوا. فعطف عليهم النعمان في جنوده على التعبية. وذلك يوم الاربعاء فالتقى الفريقان، واقتتلوا قتالا شديدا يومهم. فثبت بعضهم لبعض، حتّى كثرت بينهم القتلى، وصبروا صبرا صادقا. فقاتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بمثله، حتى حجز بينهم الليل. فانصرف كل فريق منهم الى معسكرهم. ثم ابتكروا يوم الخميس الى
(1) . النهاية: جيلهت، ص: حيلهشت
(2) . النهاية: جمع
(3) . يبدو الصحيح: «واى خرد» الطبرى 2618 و2625
(4) . النهاية: لا ينزحون