فلما رأى الخامس، استسلم والقى سلاحه. فحمله طليحة على فرسه، ودفع اليه دواب الخمسة أنفار الذين قتلهم، فجعل يقودها امامه نحو عسكر المسلمين، حتى اشرفا عليهم.
فركض الناس اليهما من كل ناحية، وظنوا انهم رسل العجم، حتّى قاربوهما فعرفوا طليحة.
فانصرف منهم فارسان يبشران سعدا، وقالا قد أتاك طليحة بأسير وخمسة افراس اخذها من العجم. ففرح الناس بذلك، ورجو ان يكون آية الفتح. ثم أقبل طليحة، حتّى دخل على سعد ابن ابى وقّاص في مضربه، فسأله عن امره، فقال: طليحة ما تصنع بسؤالك ايّاى، فانه يقبح بمثلى ان امدح نفسى. ولكن سل هذا الاسير يخبرك. فدعى بالترجمان وقال للاسير: اخبرنى بالقصة. قال الرجل: آمنّى اخبرك بقصة صاحبك هذا الذى أسرنى. فانّى قد شاهدت حروبا كثيرة، وحضرت وقائع، وبارزت اقواما، فما رأيت مثل صاحبك هذا يعنى طليحة. ثمّ قصّ عليه خبره، وما أحدث في عسكرهم، واخذ الفرس واتباعهم اياه، وقتله ايّاهم فارسا بعد فارس. ثم قال هذا اشجع خلق الله. ثم قال: سلنى الآن بذالك! فسأله عن عدد القوم. فقال: هم زهاء خمسين الف رجل من ابطال العجم وفرسانهم، الا انّ الرعب منكم قد شملهم، والخوف قد ملأ قلوبهم، ولا احسب لهم ثباتا. فصدقه سعد. ثم دعاه سعد الى الاسلام، فأسلم. فقال سعد: انت اليوم كرجل منّا لك ما لنا وعليك ما علينا.
فأقام مع العرب في عسكرهم، وكان يكثر غشيان طليحة ويواصله. فحارب العجم مع المسلمين، ثم قتل على الاسلام بعد ذلك بجلولا. وان رستم أقام في عسكره يدبّر الامور اربعة اشهر كراهية لقتال العرب، وخوفا من ان يصيبه ما اصاب مهران. فكان يستريح الى المطاولة، ويرى انها مكيدة. وكانت العرب توجّه السرايا للميرة، فيأخذون على البّر، ثم يعطفون الى اىّ النواحى شاؤوا من السواد، فيحملون الميرة، ثم يخرجون الى معسكرهم.
وكان الذى يخرج في الانزال عمرو بن معديكرب وطليحة بن خويلد وكانا يومئذ شيخين كبيرين. وكان للمثنى بن حارثة امرأة من اجمل النساء من بكر بن وائل. فمرض المثنى عند قدوم سعد الحيرة، فاقأمت بها معه تمّرضه. فكتب الى سعد ان الذى خافنى عن المسير اليك مع اصحابى شكاتى ومرضى الذى اصابنى، قد خفت بها على نفسى. فأن اهلك؛ فانّى اشهد ان لا اله الّا الله وان محمدا عبده ورسوله، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور. فان يدفع الله عنى، فأنا في اثر كتابى اليك. فأرى ان تقيم بمكانك بالقادسية والعذيب حتّى توافيك العجم، فتحاربهم على ادنى الارض من ارض العرب.
فان يظفرك الله، فتلك عادة الله في احسانه. وان تكن الاخرى، كنت ومن معك قريبا من ارض العرب. فان العرب اعرف بسبيل ارضهم ومسالك بلادهم. فلم يلبث المثنى الا ايّاما