كلاما بينا. قال: واقبل سعد بن ابى وقاص، حتّى وافى القادسية، فعسكر بها، وأردفه عمر بعمرو بن معديكرب الزبيدى وطليحه بن خويلد الاسدى، وكانا فارسى العرب المذكورين في الجاهلية. وكتب عمر الى سعد: انّى قد وجّهت اليك برجلين يقومان في الحرب مقام الفى رجل، ولا احتسب لهما كبير نية في الجهاد لقرب عهدهما بالشرك، فاستشرهما في امورك وأرهما انّك غير مستغن عنهما، فانك تستخرج بذلك نصحهما.
فقدما على سعد بالقادسية، ففرح بهما من كان معه المسلمين، لعظم ذكرهما في الحروب.
وان سعدا اراد ان يوجّه طليحة ليأتيه بخبر رستم، وليعرف مقدار جنوده، فقال لطليحة:
انطلق في عشرة نفر حتى تشرف على القوم ليلا، فتنظركم مبلغ جنودهم. فخرج هو واصحابه العشرة، حتّى اشرفوا على عسكر القوم من بعيد، فنظروا الى كثرة ركائبهم وعظم سوادهم. فقال القوم لطليحة: كفى بهذا دليلا على كثرة الجموع (فى) القوم. فقال لهم طليحة: والله ما هذا بخير «1» ، ولابد من الدنو من القوم حتى نراهم عيانا، ونعرف مقدار عددهم. فقال اصحابه العشرة امّا نحن فليست بنا حاجة الى اكثر مما رأينا. ونحن منصرفون. فقال طليحه: لكنّى لا انتهى حتى اقتحم عسكرهم. فاجول فيه، فأعرف مبلغهم، ثم آتى الامير سعدا بخبرهم. فقال له اصحابه: يا عدوّ الله، ما نحسبك الا انك تريد ان تستأ من اليهم. قال طليحة: انطلقوا فقد ملأت قلوبكم رعبا، فانتم شتيمتى «2» اهون عليكم من التغرير بأنفسكم، فاذهبوا حيث شئتم. فانصرفوا الى سعد فأخبروه بالأمر.
قالوا: ما نشك الا ان طليحة انما اراد ان يستأمن اليهم، لان الاسلام لم يستحكم في قلبه.
فاغتّم لذلك بعد واستراب به. واقبل طليحة على فرسه نصف الليل حتى توسّط عسكر العجم، فلم يزل يدور فيه الى وقت السحر، ونظر الى رجل منهم نائم وفرس «3» مقيد الى جانبه بقيد وثيق، مسرّج ولجامه على قربوسه، وفى رأس الفرس مخلاته. فنزل طليحه الى الفرس، فكسر قيده بيديه جميعا، وركبه ثمّ قاد فرسه وخرج نحو عسكره. فاستيقظ صاحب الفرس، وكان من المرازبة ممّن يعد بألف رجل، فركب برذونا له آخر، وركض في اثر طليحة، وركب معه خمسة أنفار من المرازبة، فركبوا جميعا حتى لحقوا طليحة وقد اضاء الصبح. فحمل عليه صاحب الفرس، وكان امام القوم بالرمح، وعطف طليحة. واختلفت بينهما طعنتان، فلم تصنع طعنة الفارسى شيئا، وطعنه طليحة فحطم ظهره لشدة ذراعيه. ولحقه فارس آخر كان تلو الاول، فطعنه طليحة، فقتله، حتى قتل اربعة. منهم.
(1) . الصحيح: بخبر
(2) . يبدو الصحيح: بشتيمتى
(3) . الدينورى 126: فرسه