فلما وصل ذلك الى عمر، رغبت العرب في الخروج الى البصرة، وسألوا الرسول، فأعلمهم انّ اصحاب عتبة يتقلّبون في الذهب والفضة. فتنشّط الناس للخروج الى البصرة عسكرا بعد عسكر، حتّى كثروا بها، واشتّدت شوكتهم. فسار بهم عتبة الى قرار البصرة، فافتتحها فتحا سهلا. ثم سار الى دشت ميسان فخرج اليه مرزبانها مستعدّا للحرب، فالتقوا وقاتلوا قتالا شديدا، فقتل مرزبان، وانهزمت جنوده. ودخل عتبة مدينتهم، لا يمتنع عليه احد ثم سار من فوره ذلك الى دير قباد فافتتحها، وكتب الى عمر رضى الله عنه يخبره بما فتح الله عليه، ووجّه الكتاب مع انس بن الشيخ ابن النعمان. فاجتمع اليه من المدينة ومن حولها من العرب، فسألوه عن طيب البلاد، فوصفها لهم، واخبرهم بما فتح الله عليهم، وخضعت له اهل تلك الارضين وسعتها. فانجفلت العرب الى عمر حرصا منهم على الخروج. فكان يوجّه اليه العساكر من جميع احياء العرب، حتى كثر الناس بها. ثم انّ عتبة بن غزوان كتب الى عمر يستأذنه في الحج. واستعمل عمر على ثغر البصرة المغيرة بن شعبة، فقدمّها وتجهّز فيمن كان بها من مقاتل العرب، وساروا الى ارض ميسان، فحارب مرزبانها، حتى فتحت تلك البلاد، وأظفره الله عليهم. فأقام المغيرة بالبصرة عامين، ثم عزله، واستعمل عليها ابا موسى الاشعرى، وأمره ان يضربها لمن كان بها من العرب، ويجعل كل قبيلة منها في محلة. وأمرهم فبنوا لانفسهم المنازل، وامرهم ان يبنوابها مسجد الجامع. فقال ابو موسى لعمر: ان رأيت ان تبعث معى عشر نفر من الانصار لأئتمن بهم.
فبعث معه انسا والبراء ابنى مالك وثمانية رهط معه الى من كان بها من العرب. وكتب من عبد الله عمر امير المؤمنين الى من قرئ عليه كتابى هذا من المسلمين بثغر البصرة، اما بعد فقد بعثت اليكم عبد الله بن قيس الاشعرى، ليلي امركم ما كان يليه المغيرة بن شعبة وقد امرته ان يخطّ لكم الخطط، ويمصّر بكم، ويوسّع عليكم في النفقة للبنيان، وان يبنى لكم مسجد جامع، ويقربكم كتاب الله ويعلمّكم فرائضه، ويجاهد بكم عدوّكم، ويقسم فيكم بالسوية. فاسمعوا له، واطيعوا! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فسار ابو موسى حتّى وافى البصرة، فنظر هناك الى زياد بن أبيه الذى زعم معاوية انه ابن ابى سفيان، فاستخلفه، ويقال: انه ابن ابى سفيان، وابوه مملوك لثقيف وامه سميّة وكانت حرة، فولد منها زيادا. فأعجب ابا موسى ظرفه وعقله، فاتخذه كاتبا له. وكانت له معرفة بالكتابة والبلاعة. ثم ان ابا موسى الاشعرى عند فراغه من بناء البصرة، اسكن فيها حزبه ومن كان بها من العرب، ثم سار في جنوده الى كور الاهواز، فافتتحها، الا مدينة تستر، فانّهم امتنعوا بحصانة مدينتهم، ثم انصرف الى البصرة، وكتب الى عمر بما فتح الله على يديه.