عن مقة ومودّة! الا ان مثلى الذى استنكرت من استلامتى «1» بسلاحى كالرجل الجالس على شرابه الذى انّما حسنه وزينته ان يكون في يده الجام، واكليل ريحان على فراشه، وآس يكون بين يديه، وكذلك كما لا احبّ ان اخلو من سلاحى.
فانّه جمالى، وان كنت اعلم ان احدا لا يجسر ان يعرج في اخراج كسرى من يدى. قال الكاتب. انّك لموفقّ في مقالك، مصيب في هيبتك، آخذ بالوثيقة. فقد جئت لا بلغ كسرى رسالة شيرويه الملك، فأدخلنى عليه! فدخل جيلوس الى كسرى، وقال: عمّرك الله ان استاد جشسنس رئيس كتاب الرسائل بالباب، ويذكر ان الملك شيرويه أرسل برسالة.
فهو يستأذن عليك، فرأيك في الاذن له؟ فتبّسم كسرى، وقال: ان كانت الرسائل من شيرويه الملك، فليس لنا مع ملكه اذن، وان كان لنا اذن وحجاب، فليس شيرويه بملك.
ولكن المثل في ذلك كما قال: ان الله تعالى يشاء «2» الشى ء، فيكون، ويأمر الملك بأمر فربما لم يكن. فأذن للرسول. فخرج جيلوس، وقال: قم، فادخل راشدا. فنهض الرسول، فخلع عنه كساء بركانيا لابسه، وأخرج من كمه خرقة حرير، فتقدم بها. ثم دخل على كسرى جالسا على ثلاثة انماط ديباج خسروانى «3» منسوجه بالذهب، وفوقها بساط ابريسم متكئا على ثلاث وسائد، خزاحمر، وبيده سفرجلة صفراء مستديرة. فلما وقف بين يديه استاد جشنس؛ ترّبع جالسا، ووضع السفرجلة على تكأته، فتدحرجت السفرجلة، حتّى صارت في تدحرجها الى الارض وتلطّخت بالتراب. فتناولها استاذ جشنس، ومسح التراب عنها، وأقبل بها ليضعها بين يدى كسرى. فأشار اليه كسرى لا حاجة لى فيها، فوضعها على طرف البساط، ثم عاد، فقام مقامه. فنكس كسرى، فقال متمثّلا: انّ الامور اذا ادبرت، اعيت الحيل في اقبالها؛ واذا اقبلت، اعيت الحيل في ادبارها. وهذان أمران متداولان على ذهاب الحيل. ثم قال للرسول: ان هذه السفرجلة سقطت من الوسايد الى البساط، وتد حرجت من البساط الى الانماط، فلم يلبث على الانماط ان تدحرجت، حتّى صارت الى الارض وتلطّخت بالتراب. وذلك دليل بالفأل، ان قد سلبنا الملك: ثم لا يلبث في عقبنا الا يسيرا، حتّى يفضى الى غيرنا. فدونك بما عنيت به، وبعثت فيه. فاندفع استاذ جشنس فأبلغه رسالة شيرويه، ولم يغادر منها حرفا. فقال كسرى: بلغ عنى شيرويه القصير العمر: انّه ينبغى لذى عقل ان يعيب على ذنب حتّى يضبط نفسه عن الذنوب والجرائم. ولو كنّا أيضًا كما وصفنا به، لم نكن جديرا بتأنيبنا على حالتنا هذه التي نحن عليه.
(1) . النهاية: استلامى
(2) . النهاية: كما قال اللّه تبارك وتعالى يشاء
(3) . الطبرى 1048، الثعالبى 719، شاه نامه 9: 259 ترجمه 2: 252