فحيّتنا المنيّة حين جاءت ... ودارت كأسها بيد المدير
ثم ان عظماء بكر بن وائل اجتمعوا الى هانى بن مسعود المزدلف، وقالوا: ان هذه الجيوش قد احدقت بنا من كل ناحية، فما ترى؟ قال: ارى ان تجعلوا حصونكم سيوفكم ورماحكم، وتوطّنوا انفسكم على الموت. قالوا: نعم، واللّه لنفعلنّ ذلك. ثم انّ قيس بن مسعود الشيبانىّ المعروف بذى الجدّين اقبل في سواد الليل من عسكر اياس قبيصة، حتّى أتى هانى بن مسعود، فقال يا بن عمّ انّه قد حلّ بكم من الامر ما ترون! ففرّق خيل النعمان وسلاحه في اشدّاء قومك، ليتقووا بها على القتال، فهى مأخوذة لا محالة. وان قاتلوا «1» ، وسلموا أمرتهم؛ فردوها عليك وعليكم بالجدّ والصبر، وايّاكم وثم ايّاكم ان تخفر ذمتك في تركة النعمان، حتّى تقتل معك جميع قومك. قال له هانى: اوصيت يا بن العم محافظا لوصيّتك، فوصلتك رحمى، وارجو ان لا ترى منّا تقصيرا في ذلك ولا فتورا.
فانصرف قيس بن مسعود من عند هانى باكيا حزينا. خائفا من هلاك قومه حتّى أتى عسكر اياس بن قبيصة، وكان يراه انه مجامع له على حرب قومه، خوفا ان يجدّ عليه فيقتله. فلما اصبح هانى بن مسعود، ودعا بخيل النعمان وسلاحه، ففّرقها في ابطال قومه واشدّائهم واهل النجدة والبصيرة منهم. فركبوا تلك الخيول، وكانت ستمائة فرس، وتدرّعوا تلك الدرع، وكانت ستمائة درع. واستلموا «2» تلك السلاح. وقطع منهم سبعمائه رجل اكمام اقبيتم «3» من لدن مناكبهم، لتخّف ايديهم على ضرب السيوف. وكان ذلك في العام الذى هاجر فيه رسول الله الى المدينة من مكة. فاتفقّت بكر بن وائل على ان يجعلوا شعارهم باسم رسول الله: «يا محمد، يا منصور» ، وذلك قبل ان يسلموا، وبذلك الاسم نصروا وقهروا عدوهم. وعمد رجل من اشراف بنى عجل يسمى حنظلة بن سيّار الى حزم رحالات النساء وقطعها كلّها. اراد بذلك ان يمنع قومه من الهرب، ان وقعت الهزيمة عليهم. فسمى بذلك مقطع الوضين. وانّ اياس بن قبيصة ارسل الى بكر بن وائل يخيرهم خصلة من ثلاث: امّا ان يسلّموا تركة النعمان وولده فيسلموا، او يسيروا ليلا في البوادى والبرارى. فيمثل على كسرى انهم هربوا. وكان اياس كارها لمحاربتهم. فان أبوا هاتين الخلّتين، خرجوا الى الحرب. فتوامروا بينهم، فقالوا: اما ان نسلم خفارتنا، فلا يكون ذلك.
(1) . ص: قتلوا
(2) . الصحيح: استلأموا
(3) . الصحيح: اقبيتهم