بحالة لا توصف.
قال دغفل: واخبرنى رجل من حمير، عن ابيه، عن جدّه: انّ بعض اهل حضرموت وجدوا في الارض كوزا من فخار، في جوفه سنبلة حنطة قد امتلأ منها ذلك الكوز. فوزنوا السّنبله فكانت منّا بالمكّى، وحبّها كالبيض.
وكان بحضرموت شيخ قد اتت عليه خمسمائة، ولابنه ثلاثمائة سنة، ولابن ابن له مائتا سنة؛ فحملوا تلك السنبلة، وانطلقوا بها الى الاصغر منهم، ورجوا ان يكون اثبت الثلاثة عقلا. فلما اتوه، وجدوه قد خرف وذهب عقله. فانطلقوا الى الاوسط، فوجدوه اثبت عقلا من الاصغر، ثم انطلقوا الى الاكبر فوجدوه اثبت عقلا من الاوسط والاصغر.
فقالو: انّا نراك اثبت عقلا من ابنك وابن ابنك، فبم ذاك؟ قال: امّا ابن ابنى، فكانت له امرأه سوء تؤذيه وتخالفه وتغيظه وتشاره، فذهب لمقاساته عقله. وامّا انا فكانت لى امراة صدق، ان رأتني حزينا، لم تزل تنادمني «1» حتى تسأل عن خبري. وان كنت مسرورا، اخذتني من وجه تزيدنى سرورا. وامّا ابني، فكانت له امراة، تحسن وتسي ء وتسره احيانا، فبقي له بعض عقله، وذهب بعضه.
قال: فاخرجوا له «2» تلك السنبلة. فلما نظر اليها بكى؛ وقال: هذا من زروع عاد في زمانهم قال: فسألوه عنه، وعما بلغ من احلامهم، وحسن سيرتهم وعن ملوكهم. فقال: لم يزل من غبر منّا يحدّث عمن سلف عمّا اعطي عاد من فضل الحلم. فكانت ملوكهم من احسن الناس سيرة في زمانهم. وكان شديدا في طول ملكه، متحرّيا للحقّ. موثرا للنّصفة والعدل وانّه فيما بلغنا استعمل بحضرموت قاضيا، واجرى عليه من بيت المال رزقا.
فمكث القاضي حولا لا يأتيه احد يحتكم اليه «3» فدخل على شديد، فقال له: انّك تجري علىّ رزقا، ولا يأتيني احد يحتكم اليّ، فأعفني! فقال شديد: اقم على عملك وارزاقك عليّ من مالي. فاقام على عمله، فاتاه رجلان من حضرموت من عاد، يختصمان اليه. فقال احدهما: ايّها القاضي انّي اشتريت من هذا ارضا، فلما حرثتها وجدتها معدنا من معادن الذهب، فسألته ان يردّ عليّ مالي، ويأخذها. فاني انما اشتريت منه ارضا، ولم اشتر ذهبا.
فقال للآخر ما تقول انت؟ قال: ايّها القاضي، اني بعته الارض بما فيها من معدن وغيره.
فقال لأحدهما هل لك من ولد؟ فقال: ابن مدرك، وقال للآخر: هل لك من ولد؟ قال: لي بنت مدركة فقال: زوج ابنتك من ابن صاحبك، فيكون ذلك المعدن لهما جميعا. قيل: لما تراضيا
(1) . النهاية: تتاتى لى
(2) . تاريخ الأصمعي: اليه
(3) . النهاية: عنده