توجيه كسرى انوشيروان معه الجيش؛ وملك سيف بن ذى يزن، وفد قريش الذين وفدوا على سيف بن ذى يزن، وما أخبر من امر رسول الله، وما قيل في ذلك كلّه من الاشعار؛ ودفينة سيف بن ذى يزن، وغزو كسرى انوشيروان ارض الشام وغلبته عليها؛ وخروج انوش زاد بن كسرى انوشيروان على ابيه، وما كان في كل ذلك من كلام الحكمة والاداب، وتدبيرات كسرى انوشيروان وتوطيده اساس ملكه.
قال الشعبى: حدثنا عبيد بن شريّة انّ عبد مناف بن قصّى كان في عصر قباد ابن فيروز، وقد كان اللّه تبارك وتعالى بلغ بعبد مناف من الشرف ما كان مثلا في ذلك العصر والآن في سخائه وجوده وحلمه وجماله ونجدته وسؤدده، وكانت اشراف العرب تقصد اليه، فيحيّونه بتحيّة الملوك. فقدم في عصره سطيح وشقّ الكاهنان «1» حجّاجا. فنزل سطيح بغرى ونزل شّق بثبير. وبلغ ذلك عبد مناف، فأتاهما في نفر من سادات قريش، وبدا سطيح، فدخل عليه، واهدى اليه صفيحة هندية وصورة وصعدة ردينية، فأمر بهما، فوضعا أمامه من غير ان يرى من وضعها. فرفع رأسه الى عبد مناف، وقال: وعالم الخفّية، وغافر الخطيّة، انّك لذو الهديّة الصعدة والهندية، والصفحة البهيّة، فأنت خير البرّية، من ذى فروع نقيّة، وذو فعال سنيّة، اعطيت من كل نيّة. فقال له عبد مناف: يا سطيح، نحن من اهل هذا البلد، وقد اتيناك نسألك عما يؤول اليه من أمرنا، وامر اعقابنا فقال سطيح:
احلف بالله العلّى، ليبعثن منكم النبّى، الماجد البّر الوفّى من شايعه حظى، ومن خالفه شقى، بين كتفيه شامة، كوركة «2» نعامة، يرزق السلامة، يبعث من تهامة، يتبعه اهل اليمن، من اهل صنعاء وعدن، ابيض لون كالشطن، تضمحّل به الفتن، ويطيب به الوطن، ويخلع اللّات والوثن، ويخرج في صفر من مصاص مضر، يعطي النصر والظفر، يستسقى به المطر، وينقذ اللّه به البشر، من لظى ومن سقر، يصحبه خيار العرب، ويسمع له العجب، ويظهر له كنوز الذهب. قالوا: يا سطيح، لقد ذكرت شرفا باقيا، وعزّا ناميا، وفضلا ساميا، فمن يلده منّا؟ فقال: ومحقف الاحقاف، ومؤلف الآلاف، انّه لمن عبد مناف، ما في ذلك اختلاف. فبالواحد الصمد الذى ليس معه احد، الباقى ابد الابد، ليخرجّن الى امد، الى آخر الابد، من عرصة هذا البلد، وليهدين الى الرشد، ثم يبقى الملك في معد. فقالوا: يا سطيح لقد ذكرت أمرا يبقى فخره لنا ولأعقابنا، ثم خرجوا من عنده، وأتوا شقا وسألوه عما سألوا سطيحا. فقال شق: احلف بالله الجليل، ليبعثّن عمّا قليل، منكم النبّى الرسول،
(1) . ينظرّ: سيرة ابن هشام: ج 1 ص 11، مروج الذهب: 2/ 160
(2) . النهاية: كورت، تاريخ: كوراه